برنارد كريك: المقالة جنسٌ كتابيٌ غريب

المقالة ليست بموعظة

المقالة ليست بموعظة

المقالة هي جنسٌ كتابيٌ غريب لكن محددٌ على نحوٍ معقول. بإمكانها أن تكون أخلاقية أو تعليمية أو جادّة أو حتى بروباغاندية – إلى حدٍ معيّن – لكنها ليست بموعظة، لديها سمةٌ غير رسمية ومرونة أكبر، فوق كل شيء هي تترك القارئ في شيءٍ من الشك عما سيقال تاليًا، كيف ستتطور الحجة الخطابية، والحجة لن تكون حاسمة أو مبنية عقلانيا – بإمكان المقالة أن تكون راضية تمامًا بطرح قضية – بفرضها على انتباه القارئ – وذلك بغية أن يتأمل وأن يخمّن، لا أن يخطب به أو يحدّث بنبرة الأساقفة، الأمر الأبرز عنها هو أنها ستبدو شخصية وغير موضوعية وستعطي الانطباع بالاستماع إلى محادثة مطولة من قبل فردٍ غريب، لكن جدير بالاهتمام.

من الممكن للمقالة أن تشير لحقائق وأدلّة وسلطات، لكن تشير بإيجازٍ فقط، هي ليست مثل دفاعٍ قانوني أو محاججة منظمة مرتبة منطقيا خطوة بخطوة.

المقالة تخمّن وتتساءل، كما لو أن المؤلف يفكر بصوتٍ عالٍ، يجب ألا تبدو شديدة التخطيط، بل أن تظهر بالأحرى كمجموعة من الارتباطات الحرّة القادمة من عقلٍ حسّاسٍ وجيّد التخزين.

23 أبريل,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

خمسة أيّام لبناء عاداتكم الإبداعية

improve-your-academic-writing

ترجمة: هيفاء القحطاني

ذات صباح وبينما كنت أتناول جرعة الفيتامينات اليومية فكرت: ليتني أعتاد الكتابة يومياً كما أتناول فيتاميناتي. بهذه الطريقة سأنتهي من العمل على كثير من الكتب. كيف يستطيع أحدٌ ما المحافظة على نظام كتابة يوميّ؟ الإجابة بسيطة: باتباع نفس نظام تناول الفيتامينات. بمعرفة أنّ تجاهل ذلك ببساطة سيضرّ بصحتكم الكتابية. استخدموا التمارين التالية لإيقاظ وتغذية كتابتكم بالعلاج اليومي والتدريب.

الاثنين: سحر التفاصيل

صمويل جونسون -كاتب ومعجمي وناقد إنجليزي من القرن الثامن عشر- شرح ذات مرّة لكاتب سيرته جيمس بوسويل بأنّ مؤلف السير يجب أن يمنح جلّ اهتمامه للتفاصيل الصغيرة التي تميز الشخصية وتظهر تفرّدها. سمع بوسويل النصيحة ليصبح كتابه “حياة جونسون” أحد أعظم كتب السير في العالم.

الخداع البصري الذي تقدمه التفاصيل للقارئ يمنح الكتابة حساً واقعياً. تفاصيل توقظ الحواس بصورة تطابق ما يعايشه القارئ في حياته اليومية وعلاقته مع الأشياء. وهكذا، يمنح الكاتب قارئه رحلة لا تُنسى.

جربوا هذا:

تخيلوا أنفسكم في غرفة مظلمة ومخيفة. قبو في منزل مسكون أو مدفن في الليل. استخدموا وصفاً تفصيلياً لإحساسكم في تلك اللحظة: الأصوات والروائح والصّور، كل هذا في مكان ضيق وإضاءة ضعيفة.

الثلاثاء: عن الدافعية

ما الذي يدفع الكتّاب لتكريس الساعات الطويلة الصعبة لكتابة القصص والمقالات والقصائد؟ بعض الكتاب دوافعهم نبيلة: ربيكا ويست تقول بأنها تؤلف الكتب لتتعرف على الأشياء. بعبارة أخرى، بغض النظر عما كنت تعرفه في موضوع معيّن فإنك ستحتاج للبحث والتقصي عنه وستكشف لك الكتابة ضآلة معرفتك. البعض الآخر يكتب لسبب نبيل أيضاً. يكتبون لمقاومة شياطينهم، يكتبون للهرب من فخ عاداتهم السيئة كالمقامرة وإدمان الكحول وأذيّة. من جهة أخرى، لا يحتاج المرء لمعرفة سيغموند فرويد لاكتشاف الدوافع الأقل نبالة وراء الكتابة. البعض يكتب للانتقام من شخص ما. أو يكتب لأنه يكره عمله الحالي ويبحث عن مصدر للمال يتيح له النوم حتى الظهر والسفر لأنحاء الأرض.

هل يهمكم معرفة الدوافع وراء إنجاز الكتابة أيا كانت؟ ربما لا. لكنها مفيدة في التعرف على دوافعكم الشخصية وطاقاتكم (وشياطينكم؟) التي تساعدكم على الكتابة. مواجهتها والتعرف عليها سيحرركم من عوائق الكتابة السيكولوجية. التعرف على دوافعكم يساعدكم على ترويضها وتطويعها لخدمتكم.

جربوا هذا:

في مفكرة اليوميات ابدؤوا الصفحة بـ ” السبب الحقيقي وراء رغبتي في الكتابة هو ..” اكملوا الجملة بسبب واضح ومحدد. كونوا صادقين مع أنفسكم.

الأربعاء: سعي للأصالة.

الكتابة الجيدة متناقضة. ليجد الكاتب التقدير لما ينشره يحتاج إلى مطابقة التوقعات باتباع القواعد العامة للكتابة والقواعد اللغوية وتطوّر الحبكة. في نفس الوقت يبحث القراء عن التفرد، سواء كان ذلك في طريقة معالجة المواضيع أو كسر القواعد كلها.

من حسن الحظ أن لكل منا نظرته الخاصة تجاه الأشياء. علينا فقط أن نثق بصوتنا المختلف وأنه سيتم تقديره من قبل القرّاء.

إنها فكرة مخادعة بطبيعة الحال: الابتداع مرغوب إنما بتوافق مع ما سبق وكتبه المبدعون. ولكن هناك ظروف وأسباب تساعد على كسر المألوف. فيرجينيا وولف وجيمس جويس –مثلا- استخدموا طريقة مبتكرة في الرواية. كانت الكتابة بطريقة “سيل الوعي” فكرة مذهلة لأنّ القراء اظهروا استعداداً لتلقيها. كانت فترة تطور في “التحليل النفسي” وهنا جاء الفنّ تابعاً للعلوم.

لكن عملية كسر المألوف الغير مدروسة ستبدو مفتعلة وعشوائية. أفضل طريقة للابتكار والبناء على المألوف تشبه الإضافة على محادثة أو حوار موجود مسبقاً. أدرسوها بعناية وركزوا أولا على الفكرة ثم اصنعوا طريقة التعبير الخاصة بكم وانتبهوا جيداً لصوتكم على الورق.

بدلا من التفكير في عبارة “كن مبتكراً” أو “كن مبتدعاً” فكروا في “لا تكن مقتبساً عن أحد”. بدلا من كتابة رواية خيالية تشبه “هاري بوتر”، اكتبوا روايتكم من الصفر. يمكن ملئها بالسحر إن أردتم لكنها ستكون قائمة على شخصياتكم المبتكرة والخاصة.

جربوا هذا:

اختاروا إطاراً تقليدياً من رواية رعب أو خيال –منزل مهجور مثلا أو قلعة- ثم اكتبوا أفكارا عن شخصيات نمطية وأحداث قد تقع في ذلك الاطار. بدلا من الأشباح اختاروا أن يكون هذا المنزل المهجور مخبأ لمسوخ نتجوا من العبث بالتركيبة الجينية للبشر، نصف رجل ونصف أي شيء آخر.

الخميس: توليد المحتوى من الأقوال المأثورة.

هناك قواميس جيدة للاقتباسات والأقوال المأثورة. في اللغة الإنجليزية “قاموس أكسفورد للاقتباسات” وهذا القاموس إضافة مهمّة لكلّ رف. هناك قواميس مشابهة في كل لغة بالتأكيد وكتب للشعر القديم والحكايات والأساطير المسجّلة، ابحثوا عنها.

الأقوال المأثورة والحكم تمثل قاعدة جيدة للانطلاق وكتابة القصص والمقالات والقصائد. قربوا منكم أعمال الكتاب الرائعة أمثال: شكسبير، إيمرسن، وثورو. الكتب السماوية أيضا مرجع مهمّ للغة والحكمة والكتابة، اقرؤوها بتعمق وانتباه وانطلقوا منها.

قراءة هذه الاقتباسات الشهيرة محرض جيد للكتابة. وطريقة ممتعة لتمرين المخيلة وتذكير أنفسنا بالحكمة التي تنتظرنا.

جربوا هذا:

1- تصفحوا كتاب للاقتباسات والأقوال المأثورة بشكل عشوائي واختاروا مقطعاً واستخدموه كنقطة انطلاق لقصة جديدة.

2- اختاروا اقتباسين متضادين للتعبير عن وجهات نظر شخصياتكم في القصة.

الجمعة: التخطيط الإبداعي.

الكاتب الذي يعتمد بشدة على التخطيط لبناء قصة أو مقالة ويتعامل مع المسودة كمخطط بخرائط دقيقة القياسات يعرض عمله لفقدان العفوية ويهدر طاقته الإبداعية. المبالغة في التخطيط المصغّر يظهر عقد ومطبات في نسيج قصّتكم. نريد أن تظهر القصص بسلاسة وعناصر مترابطة.

لماذا إذا نشغل أنفسنا بالتخطيط؟

• لأن ذلك جيد لنمسك بالبناء، لنبتدع المزيد من الأفكار.
• التخطيط المعتدل يمكن أن يتفاوت بحسب ما نجده مناسباً بين الإسهاب والاختصار.
• يمكن التحكم به وتعديله حتى نصل لصورة مثالية.
• التخطيط للكتابة يتمثل عادة في المسودة العفوية والعودة إليها لأكثر من مرة لضبط الإيقاع.
ويجب ألا ننسى أن عقولنا منظمة بطبيعتها، لذلك لسنا بحاجة لدفعها بشدة لتنظيم قصة نكتبها.

جربوا هذا:

1- اختلقوا مخططا لقصة مع تجاهل التسلسل المنطقي المعتاد. اكتبوا بحرية وعفوية. أضيفوا التعديلات على القصة لاحقاً واستمروا في ذلك حتى تتضح تماماً. العفوية في كتابة المسودة ستذكركم بمنعطفات وتحولات القصة التي قد تغفلها ذاكرتكم خلال الكتابة.

2- اكتبوا مسودة استكشاف. ستكتبونها بناء على المسودة الأولى التي ستصبح بمثابة الأساس للبناء. لا تقلقوا بخصوص الشخصيات والأحداث في هذه المرحلة، لأنها ستأتي لاحقاً. الهدف من عمل هذا هو وضع أكبر قدر ممكن من الأفكار على الورق قبل تبخر دافعيتكم للكتابة.

22 أبريل,2014 - takween
كُتب في تمارين كتابية | إرسال التعليق

جوزيه ساراماغو: الكتابة بالنسبة لي وظيفة

إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء.

إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء.

حوار: دونزلينا باروسّو – باريس ريفيو
ترجمة: أحمد بن عايدة 

بعد سنوات عديدة من كونه ضمن القائمة القصيرة، حصل خوسيه ساراماغو على جائزة نوبل الأدبية في الثامن من أكتوبر عام ١٩٩٨ ليكون أوّل أديب برتغالي يوَّسم بالجائزة. قال ساراماغو معبّرًا عن رأيه في فوزه بالجائزة “لن أمارس واجبات الفائز بنوبل كمن فاز بمسابقة الجمال، ذلك الذي يتوجّب عليه المفاخرة في كل مكان.. لستُ أطمحُ لذاك العرش، وبالطبع، لستُ قادرًا على اعتلائه.”

ولد ساراماغو في عام ١٩٢٢ لعائلة ريفية بسيطة في أوساط منطقة ريباتيغو، البرتغال. عندما كان في عامه الثاني، انتقلت العائلة إلى لشبونة حيث عمل والده شرطيًا. وفي مراهقته، اضطرّته متاعب مادية للإنتقال من ثانوية عادية إلى مدرسة للتدريب المهني. وقد أدى ذلك إلى اشتغاله في العديد من الوظائف المختلفة قبل أن يصبح كاتبًا، من ضمنها عامل ميكانيكي.

في عام ١٩٤٧، في عامه الرابع والعشرين، نشر ساراماغو روايته الأولى”أرض الخطيئة” والتي كانت تحمل عنوان “الأرملة” غير أن الناشر غيّر أسم الرواية آملًا أن تحظى بمبيعات أكبر. (وقد علّق ساراماغو لاحقًا بأنه آنذاك لم يكن يعرف شيئًا عن الأرامل أو الخطايا.) بعد ذلك لم ينشر أي عمل لتسعة عشرة عام. ثم ظهرت في ١٩٦٦ مجموعته الشعرية الأولى، “القصائد المحتملة.” وفي عام ١٩٧٧ نشر روايته الثانية، “كتاب الرسم والخط” وقد كان ساراماغوا ناشطًا في الصحافة في الستينيات والسبعينيات. ولوقت قصير اشتغل مساعدًا لمدير جريدة الأخبار البرتغالية اليومية. وفي الأوقات العصيبة، كان يعين نفسه من خلال الترجمة من اللغة الفرنسية. وقد انضم ساراماغو إلى الحزب الشيوعي البرتغالي في ١٩٦٩، حيث كان من الأعضاء الفعّالين. مما جعل كتاباته متّصلة بشكل معقّد بالأوضاع الإجتماعية والسياسية.

وجد سارامغو صوته أخيرًا في فن الرواية بعد نشره “ثورة الأرض” في ١٩٨٠، وقد كتبها ساراماغو بعد ثورة القرنفل التي نشبت في البرتغال عام ١٩٧٤.

الصحفي: عندما انتقلت إلى لانزاروت، بعيدًا عن تلك البيئة التي احاطت بحياتك وكتاباتك لسنوات عديدة، هل اعتدت على فسحتك الجديدة سريعًا، أم أنك تفتقد فسحة عملك القديمة؟

ساراماغو: لقد تكيّفت بسهولة. أعتقد أنني من أولئك الذين لا يحاولون تعقيد حياتهم. لطالما عشت حياتي دون أن أضخّم من الأمور، جيدة كانت أم سيئة. إنني ببساطة أعيش تلك اللحظات. بالطبع، إذا كنت أشعر بالحزن، فإنني أحزن، غير أني لا أقوم… دعني أعيد صياغة الجملة: غير أني لا أحاول أن أكون مثيرًا للإهتمام.

في الوقت الحالي أقوم بكتابة رواية. وكم سيكون الأمر أكثر دهشة بالنسبة لي لو حدّثتك عن العذاب الذي أقاسيه في كتابتها، وعن المشقة في بناء شخصياتها، والدقة المفرطة في سرد حبكتها معقدة. ما أرمي إليه هنا هو أنني أنجز ما ينبغي إنجازه بأكبر قدر من الطبيعية. إن الكتابة بالنسبة لي وظيفة. فلا أفصل بين العمل وعملية الكتابة كما لو كانا أمرين مختلفين لا يجمعهما شيء. فأنا أقوم بترتيب الكلمات، الواحدة بعد الأخرى، أو الواحدة أمام الأخرى، كي أقول حكاية، لأقول شيئًا أعتبره هامًا وذا فائدة، أو على الأقل هامًا وذو فائدة بالنسبة لي. ذلك كل ما في الأمر، ولا شيء سوى ذلك. وإنني أعتبرها وظيفتي.

الصحفي: وكيف تعمل؟ هل تقوم بالكتابة كل يوم؟

ساراماغو: عندما أعمل على شيءٍ يتطلب الملازمة، الرواية مثلًا، فإني أكتب يوميًا. بالطبع، أنا معرّض لجميع أنواع العراقيل في المنزل، وتلك بسبب السفر، ما عدا ذلك أنا شخص مواظب ومنضبط للغاية. لا أجبر نفسي على العمل لساعات محددة يوميًا، غير أنني أحتاج إلى قدر محدد من الكتابة في اليوم، والذي عادةً ما يساوي صفحتين. هذا الصباح قمت بكتابة صفحتين من رواية جديدة، وغدًا سوف أكتب صفحتين إضافيتين. هناك أمور أخرى علي القيام بها، كتابة نصوص أخرى، الرد على الرسائل. قد يخيّل إليك أن صفحتين في اليوم ليس بالكثير، غير أنها تعادل ما يقارب ٨ آلاف صفحة في السنة.

في النهاية، أنا شخص طبيعي للغاية، لا أملك عادات غريبة، ولا أضخّم من الأمور. والأهم من ذلك، لا أتناول الكتابة بطريقة رومانتيكية. لا أتحدّث عن العذاب الذي أقاسيه في الخلق. ليس لدي خوف تجاه الصفحات الفارغة، أو حبسة الكاتب، وجميع تلك الأمور التي نسمعها عن الكتّاب. لستُ أملك أي من تلك المشاكل، لكني أملك مشاكل مثل أي شخص يحاول إنجاز أي نوع من الأعمال. أحيانًا لا تنتهي الأعمال بالطريقة التي رغبت بها، أو حتى لا تنتهي على الإطلاق. وعندما لا تنتهي الأعمال بالجودة التي طمحت لها، فإني أرضخ إلى قبولها كما هي.

الصحفي: هل تكتب مباشرة على الحاسب الآلي؟

ساراماغو: نعم. وقد كانت “قصة حصار لبشونة” آخر عمل قمت بكتابته على آلة الكتابة الكلاسيكية. في الحقيقة، لم أواجه أي صعوبة في التأقلم مع لوحة المفاتيح. على عكس ما يقال عن الحاسب الآلي، كيف أنه يٌضعف من أسلوب الكاتب. لا أعتقد أنه يُضعف من أي شيء، بل وأقل من ذلك بكثير إذا استخدم كما استخدمه أنا – كالآلة الكاتبة. طريقة كتابتي على الحاسب الآلي هي ذاتها على الآلة الكاتبة، الفرق الوحيد هو أنه الآن اصبح أكثر ترتيبًا، وأكثر راحة، وأسرع. لم يؤثر سلبيًا الحاسب الآلي على كتابتي. إن الأمر أشبه بالقول أن انتقال الكتابة من القلم إلى الآلة الكاتبة يغيّر من أسلوب الكاتب. لا أؤمن أن ذلك هو السبب. إذا كان الشخص يملك أسلوبًا خاصًا به، مفرداته الخاصة، كيف يمكن العمل على الحاسب الآلي أن يغيّر ذلك؟

رغم ذلك، ما زالت تربطني علاقة متينة بالأوراق، الأوراق المطبوعة، وهو أمر طبيعي. لا بد من أن أطبع كل صفحة أنجزها. فمن غير صفحة مطبوعة أشعر..

الصحفي: تحتاج لدليل ملموس.

ساراماغو: نعم، بالضبط.

الصحفي: بعد انجازك لتلك الصفحتين في اليوم، هل تقوم بعد ذلك بعمل التعديلات على النص؟

ساراماغو: نعم، فعندها تتشكّل لدي فكرة عن وجهتي، وعن الطريق المؤدي إليها. لكنها ليست خطة ثابتة. ففي النهاية، أود قول ما أود قوله، غير أن هناك مرونة بالهدف نفسه. إليك مثالًا يوضّح ما أرغب بقوله: أعلم أني أريد السفر من لشبونة إلى بورتو، لكني لا أعلم ما أن ستكون الرحلة عبارة عن خط واحد إلى لشبونة. قد أعبر من خلال كاستيلو برانكو، وقد يبدو ذلك غير منطقيًا، فإن كاستيلو برانكو تقع في الجانب الداخلي من الدولة ولشبونة وبورتو تقعان على الساحل الأطلنطي.

ما أقصده هو أن الطريق الذي أسافر عليه من مكانٍ إلى آخر دومًا متعرّج، فلا بد من مواكبته لتطوّر السرد، والذي قد يحتاج إلى تعديل هنا أو هناك لم يكن بحاجة إليه من قبل. على السرد أن يكون متيقظًا لإحتياجات اللحظة. وذلك يعني أنه ما من شيء محتوم. إذا كانت القصة مقدّرة سلفًا – حتى لو كان ذلك ممكنًا – فإن العمل بالكامل سيكون فاشلًا. وذلك يقتضي وجود الكتاب قبل إيجاده. إنما الكتب تخرج إلى الوجود. لو أوجدتُ كتابًا بالقوة قبل أن يخرج بنفسه إلى الوجود، فإني أقوم بمنافاة طبيعة تطوّر قصة السرد.

لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب.

لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب.

الصحفي: هل تكتب دومًا على ذلك النحو؟

ساراماغو: دائمًا. لم يحدث أنني امتلكت طريقة أخرى للكتابة. وأعتقد أن هذه الطريقة اتاحت لي – ولست واثقًا مما قد يقوله الآخرون- لبناء أعمالًا ذات بنية قوية. في كتبي، كل لحظة تمر مبنية على ما حدث سابقًا. كالذي يبني فيحتاج مساندة كل قطعة على الأخرى ليتجنّب انهيار البناء بأكلمه. وكذلك بالنسبة لتطوّر الكتاب، الذي يكمن في بحثه لمنطقه الخاص، وليس في بنيته المقررة سلفًا.

الصحفي: ماذا عن شخصياتك؟ هل تقوم بمفاجأتك؟

ساراماغو: لا أؤمن بفكرة امتلاك الشخصيات حياتها الخاصة وأنّ على الكاتب اتّباعها وحسب. يجب أن يحرص الكاتب على عدم إقحام شخصياته بفعل أمر ينافي منطقها، ومع ذلك، فإن الشخصية ليست مستقلة بذاتها. إنها مسجونة بين يد الكاتب، لكن غير واعية بسجنها. فالشخصيات مربوطة بخيوط، غير أن الخيوط مرخية. فتتمتع بحريّتها الوهمية، لكن لا يمكنها المضي إلى حيث لا أرغب. فإذا حدث ذلك، أشدّ الخيط لأذّكرها أنني السيد هنا.

إن القصة جزء لا يتجزّأ من الشخصيات التي تظهر من خلالها. ومهمة الشخصيات هي المساعدة في بناء الهيكل الذي يريد الكاتب تشييده. عندما أجلب شخصية جديدة، فأنا مدرك بحاجتي لها وما أريده منها بالتحديد، غير أن الشخصية ليست مكتملة بعد، بل في طور الإكتمال. أنا من يطوّر تلك الشخصية، لكن بطريقة ما هو نوع من التطوّر الذاتي للشخصية أقوم أنا بإتّباعه. وبذلك، لست قادرًا على تطوير الشخصية رغما عنها. عليّ احترام الشخصية وإلا ستبدأ باتخاذ قرارات هي عاجزة عن تنفيذها. على سبيل المثال، ليس بإمكاني دفع شخصية لإرتكاب جريمة إن لم يكن ذلك متماهيًا مع منطقية الشخصية – ولولا ذلك الدافع الذي يبرر الأفعال للقارئ، لن يصبح الأمر منطقيًا.

سأطرح مثالًا آخر. رواية “بالتاسار وبليموندا” عبارة عن قصة رومانسية. في الحقيقة، إن أمكنني القول، إنها قصة رومانسية رائعة. والتي أدركت عند وصولي إلى آخرها أنني كتبت قصة رومانسية من دون كلمات تتعلق بالحب. لم يتفوّه بالتاسار ولا بليموندا بتلك الكلمات التي نعتبرها غرامية. قد يظن القارئ أن ذلك أمرًا مدبّرًا، غير أنه ليس كذلك. فقد كنتُ أوّل المتفاجئين. ثم جعلت أتأمّل، كيف حصل ذلك؟ لقد كتبت قصة رومانسية دون كلمة واحدة عن الحب.

لنتخيل فيما بعد في المستقبل، في نسخة معدّلة، قد مضيت وراء نزوتي في تغيير الحوار بين الشخصيتين، واضفت بضعة كلمات هنا وهناك. سوف يزعزع ذلك من مصداقية الشخصيتين. وأعتقد بأن القارئ سوف يلاحظ، حتى قبل معرفته الشكل الذي انتهى إليه الكتاب الآن، أن هناك خطب ما. كيف لهاتين الشخصيتين اللتين بقيتا سويًا منذ الصفحة الأولى، أن تقولا على حين فجأة في صفحة مئتين وخمسين، “أحبك”؟

وذلك هو احترام ذات الشخصية الذي أقصده – عدم ارغام الشخصية على فعل ما ينافي ذاتيتها، أو نفسيّتها الداخلية، أو ما يحدّد هويتها. فإن الشخصية في الرواية عبارة عن كائن بشري آخر- ناتاشا في الحرب والسلم إحدى البشر. راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب عبارة عن أحد البشر، وكذلك جوليان في الأحمر والأسود – فالأدب يضيف بشريًا آخرًا إلى سكّان العالم. نحن لا نعتبر أولئك الثلاثة مخلوقات ليس لها وجود، أو مجرد تركيبة من كلمات على صفحات كثيرة تشكّل ما نطلق عليه كتاب. إننا نعتبرهم أناس حقيقيون. وأعتقد أن ذلك حلم جميع الروائيون، أن تكون شخصياتهم بشرًا.

الصحفي: أي من شخصياتك تود رؤيتها حقيقية؟

ساراماغو: قد يؤدي ذلك إلى جعلي متغطرسًا، لكن في الحقيقة، أشعر بأن جميع شخصياتي أناس حقيقيون. من الرسّام “أتش” في “كتاب الرسم والخط” إلى سينور خوسيه في “كل الأسماء”. وأظن أن ذلك يعود لإبتعاد شخصياتي عن كونها مجرد نسخ، أو تقليد لشخوص حقيقيين. فهي تفرض نفسها على هذا العالم لتعيش فيه. إنها شخصيات خيالية تفتقد إلى البدن. وإني على ذلك النحو أراهم، غير أننا نعلم أن المؤلفين متهمين بالتحيز إلى شخصياتهم.

الصحفي: بالنسبة لي، زوجة الدكتور في “العمى” شخصية دقيقة جدًا. ولديّ أيضًا تصورًا دقيقًا لها، كما لجميع الشخصيات في “العمى” برغم أنه لا يوجد وصف مفصّل لها.

ساراماغو: يسعدني تصوّرك لها بتلك الدقّة. وذلك بالتأكيد لم يأتِ عن طريق وصفٍ جسديٍ لها، ففي الرواية لا يوجد أي وصف من ذلك النوع. لا أعتقد بأن هناك فائدة من وصف أنف شخصية أو ذقنها. أشعر أن القرّاء يفضّلون بناء الشخصية الخاصة بهم، شيئًا فشيئًا. وسوف يوفّق المؤلف إذا ما وثق بالقارئ في توكيله ذلك الجزء من العمل.

الصحفي: كيف نشأت فكرة “العمى”؟

ساراماغو: كما نشأت جميع رواياتي. بزغت رواية “العمى” من فكرة انبثقت فجأة من رأسي. كنتُ منتظرًا الغداء في مطعم وفجأة، دونما سابق إنذار، قلت في نفسي، ماذا لو كنا جميعنا عميان؟ فقلت كمن يجيب على تساؤله: لكننا بالفعل عميان. وكانت تلك مضغة الرواية. وبعد ذلك، كل ما كان عليّ فعله هو أن أحبل بالظروف المبدئية، والسماح للنتائج بولادة نفسها. إنها نتائج فظيعة، غير أنها تملك منطق من فولاذ. ليس هناك الكثير من الخيال في “العمى”، إنها عبارة عن تطبيق منظّم للعلاقة بين السبب وأثره.

الصحفي: لقد ذكرت أن كتابة “العمى” كانت الأصعب من بين رواياتك. هل يعود ذلك إلى، برغم تصويرك الشنيع للوحشية التي يعامل بها الإنسان أخيه الإنسان تحت وطأة وباء العمى الأبيض، والشعور بالضيق في كتابة موضوع كهذا، أنك في قرارة نفسك، شخص متفائل؟

ساراماغو: أنا شخص متشائم، لكن ليس لدرجة الرغبة بإطلاق رصاصة في رأسي. الوحشية التي ذكرتها هي ذاتها تحدث كل يوم في كل أنحاء العالم، وليس في الرواية وحسب. وإننا في هذه اللحظة غارقون في وباء العمى الأبيض. إن رواية “العمى” رمز لعمائنا عن العقل. إنه عمى يسمح لنا، بكل بساطة، إرسال مركبة إلى مارس لتفحّص تركيبة الصخور على ذلك الكوكب فيما نسمح بنفس الوقت للملايين بأن يجوعوا على هذا الكوكب. إما نحن عميان، أم مجانين.

الصحفي: لديك جمهور كبير من القراء في أوروبا وأمريكا اللاتينية، بينما هناك قلة قليلة تقرأ لك في أمريكا.

ساراماغو: المواضيع المفرطة بالجدية بطبيعتها لا تجذب القارئ الأمريكي. وإنه لأمر محير أنني أحظى بمراجعات ممتازة من الولايات المتحدة.

الصحفي: هل آراء النقاد مهمة بالنسبة لك؟

ساراماغو: الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي – وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها. بعد أن يخرج العمل من يدي، فإن الأمر يصبح كسائر الأشياء في الحياة. تولد الأم طفلها وتتمنى له الأفضل، غير أن الحياة تلك تعود للطفل، وليس للأم. فيصنع هو بها ما يشاء، أو يصنع الآخرون ما يشاءون بها. ومهما يحصل فإنها بالتأكيد ليست الحياة التي حلمت بها الأم. ليس هناك طائل من تمني أن تحظى كتبي بتلقّي عظيم من قبل القرّاء، وذلك أنهم سوف يتلقّونها كيفما أرادوا أن يتلقّونها.

لن أقول أنه يستوجب على كتبي أن تُسعد القرّاء، فإن ذلك يعني أن قيمة الكتاب تعتمد على عدد قرائه. وجميعنا يعلم أن ذلك غير صحيح.

 الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي - وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها.

الذي يهمني هو أن أقوم بعملي على أفضل وجه، وعلى حسب مقاييس العمل الجيد الخاصة بي – وذلك أن يُكتب الكتاب بالطريقة التي أريده أن يُكتب بها.

الصحفي: لقد زُرتَ خلال رحلتك إلى الولايات المتحدة تلك فول ريفير، منطقة مليئة بالمجتمعات البرتغالية.

ساراماغو: نعم، التقيت ببعض المهاجرين البرتغال، أولئك الذين، لسببٍ ما، مهتمّين بأعمالي. وإنه ليفاجئني أن يكون لي جمهور كبير برغم أني أفقد رغبتي بالتحدث عن الأدب شيئًا فشيئًا هذه الأيام. وأعتقد أن ذلك يشكّل تناقضًا كوني أكتب، وإذا كنت أكتب، فما عسى أن يكون محور حديثي سوى ذلك؟ نعم، أنني أكتب، وأيضًا عشتُ قبل أن أصبح كاتبًا وكانت لدي جميع الإهتمامات التي يهتم بها أي شخص يقطن العالم.

مؤخرًا كنت في مؤتمر عن أعمالي الأدبية في براغا، البرتغال، غير أننا تحدثنا عن أمور شتّى – وضع البرتغال وماذا سوف نفعل بشأنه. فأقول للجميع أن تاريخ البشرية قد يبدو بأنه معقّد للغاية، غير أنه في الواقع شديد البساطة. جميعنا يعلم أننا نقطن عالم متوحش. العنف ضروري لبقاء جنسنا – علينا قتل الحيوانات، أو يجب على أحد أن يقتلهم لأجلنا، لكي نحصل على الطعام. نختار الفاكهة، ونقتلع الزهور لنزيّن بها منازلنا. وتلك كلها تصرفات عنيفة ضد كائنات أخرى حية. والحيوانات تتصرف بشكل مماثل. يأكل العنكبوت الذبابة، وتأكل الذبابة أيًا كان الشيء الذي يأكله الذباب. إنما هناك فارق عظيم، الحيوانات ليست قاسية. عندما يلفّ العنكبوت الذبابة في شبكته، فإنه يقوم بحفظ وجبة غادئه للغد في الثلاجة. القسوة اختراع بشري. الحيوانات لا تعذب بعضها البعض، نحن نفعل ذلك. نحن الكائنات القاسية الوحيدة على هذا الكوكب.

لقد أباحت لي تلك الملاحظات السؤال التالي: إذا كنا قساة، كيف لنا المضي في القول أننا مخلوقات عقلانية؟ لأننا نتكلّم؟ لأننا نفكّر؟ لأننا نملك القدرة على الخلق؟ بالرغم من أننا قادرين على جميع تلك الأمور، فإنها ليست كافية لردعنا من اقتراف تلك الأفعال السلبية والوحشية التي نمارسها. إنها مشكلة أخلاقية يجب الإلتفات إليها، وذلك هو السبب الذي يجعلني أفقد الرغبة شيئًا فشيئًا في الحديث عن الأدب.

أحيانًا أتمنى ألا نستطع هجر هذا الكوكب على الإطلاق. فإذا حدث أننا انتشرنا في الكون، أغلب الظن أننا لن نتصرف بشكل مختلف عن هنا. وإذا استطعنا بالفعل العيش في الكون – ولستُ أؤمن أننا سنتمكن من ذلك – فإننا سوف نلوّثه. نحن على الأرجع عبارة عن فيروس، محتدش لحسن الحظ في هذا الكوكب. وقد اقتنعت بذلك كله مؤخرًا، بيد أنني قرأت عن انفجار نجم قد وصل ضوء إنفجاره إلى الأرض قبل ثلاثة أو أربعة سنوات – وتطلب وصوله إلينا إلى مئة وستة وستون ألف سنة. فقلت طيب، ليس هناك من خطر، سوف يكون من المستحيل أن نذهب إلى أي مكان.

* نشرت في آراء. 

20 أبريل,2014 - takween
كُتب في أساليب, حياة الكاتب, عن الكتابة | إرسال التعليق

نصائح خالدة للكتابة من آني لاموت

تكمن الكتابة الجيدة في قول الحقيقة. نحن خلائق تحتاج وتريد أن تفهم ما هي عليه.

تكمن الكتابة الجيدة في قول الحقيقة. نحن خلائق تحتاج وتريد أن تفهم ما هي عليه.

بقلم: ماريا بوبوفا
ترجمة: وليد الصبحي

يعتبر كتاب Bird by Bird: Some Instructions on Writing and Life من قائمة العشر كتب المفضلة لدي عن الكتابة، اذ يعتبر هذا الكتاب كنزا من المعرفة العملية المتعمقة التي يمكن الرجوع لها في أي وقت لتجدها ترزح تحت صدى أعمق في كل مرة. تضيف آن لاموت لمجموع المعرفة المستسقاة من الكتّاب العظماء فصولاً متساوية تتسم بالشفافية والثقة، وهي في ذلك بقدر ما تعلمنا عن الكتابة تعلمنا عن الإبداع بوجه عام، وفوق هذا كله عن كونك انسان تعيش حياتك بما فيها لأن الكتابة في نهاية المطاف -كما تشير لاموت في مقدمة كتابها- لا أكثر ولا أقل من كونها آلية لجعل الحياة أكثر عقلانية.

من مزايا كونك كاتباً إعطائك العذر لفعل أشياء عديدة ولأن تذهب الى أماكن وتستكشفها. ومن المزايا الاخرى أن الكتابة تحفزك على الاطلاع على الحياة عن كثب، على الحياة بينما هي تخذل وتشرد كل من حولها.

ما يجعل لاموت مقنعة جداً هو أن جميع نصائحها لا تصدر من شخص يتحدث من برج عاجي بل تنبع من نفس صادقة ذات ضعف يجذبك وحكمة حياتية حصلت عليها بشق الأنفس. تحكي لاموت عن سنوات رشدها وكيف أنها واجهت ذات مرة ذلك النوع من مفترق الطرق الذي لا مفر منه حيث يكون امامنا خياران اما أن ننسحب ونعلن انهزامنا ضد تجاربنا المريرة أو نستخدم هذه التجارب كتربة خصبة لبناء شخصياتنا:

“بدأت الكتابة عندما كان عمري سبعة أو ثمانية أعوام، كنت خجولة جداً وغريبة المظهر ومحبة للقراءة فوق كل شيء آخر، وكان وزني حوالي أربعين رطلاً في ذلك الوقت وذات جسم متيبس جداً لدرجة أنني كنت أمشي وأكتافي تصل إلى أذني مثل ريتشارد نيكسون. شاهدت ذات مرة فلم منزلي لحفلة عيد ميلاد قد حضرتها عندما كنت في الصف الأول، كان هنالك صبية وفتيات صغار لطفاء يلعبون معاً كالجراء الصغار، واذ بي فجأة أخترق الشاشة كسرطان البحر. كان يتضح جداً أنني ذلك الشخص الذي سوف يكبر ليصبح قاتلا متسلسلاً أو ذلك الشخص الذي سوف يكبر ليربي العشرات والعشرات من القطط، لكن عوضاً عن ذلك أصبحت ذلك الشخص المَضْحك وذلك بسبب الاولاد -الاولاد الاكبر سناً مني والذين لم أكن حتى أعرفهم- اذ كانوا يتجولون بدراجاتهم حولي متهكمين على هيئتي الغريبة وفي كل مرة كانوا يمرون بجانبي كنت أشعر وكأنهم يطلقون النار علي من سيارات تتحرك مسرعة أمامي. أعتقد لذلك السبب كنت أمشي مثل نيكسون، كنت أحاول أن أصل أذنيّ بكتفيّ لكنها لم لتكن لتصل لذلك الحد. لذلك، كنت في “المَضْحكة” في البداية ولكن بعد ذلك بدأت في الكتابة، على الرغم من أنني كنت لا أكتب عن أشياء مضحكة”.

[…]

” جل ما كنت أريد هو أن أنتمي، أن أرتدي قبعة الانتماء تلك.

كنت ما زلت أزن حوالي أربعين رطلاً عندما كنت في الصف السابع والثامن. وصلت الثانية عشرة من العمر ومازالت المضايقات والسخريات على هيئتي الغريبة مستمرة لطيلة هذا الوقت من حياتي. هذه البلد يصعب فيها أن تبدو مختلفا جداً فهي كما وصفها بول كراسنر: الولايات المتحدة للإعلانات، وكذلك إذا كنت هزيلا جداً أو طويلا جداً أو أسمر أو لافت للنظر أو قصير القامة أو أجعد الشعر أو مشردا أو فقيرا أو قصير البصر سوف يتم اضطهادك، وهذا ما حصل معي”.

إذن، لاموت وجدت ملاذها في الكتب بالبحث عن “نوع ما من النهج المبتكرة أو الروحية أو الجمالية لرؤية العالم وتنظيمه في مخيلتها”. ولتجد ذلك، أصبحت لاموت كاتبة وبدأت تتخيل نشر أعمالها و”لذة رؤية اسمها مطبوعاً على الكتب” باعتباره أعلى شكل من أشكال إثبات الوجود. كانت في انتظار المجد المؤكد الذي يحمله رضا الجمهور عندما نشرت كتابها الأول وتوهمت سراً أن “الأبواق سوف تهتف وكبار النقّاد سوف يعلنون رسمياً أنه ليس هنالك رواية امريكية منذ صدور موبي ديك قد صورت الحياة بما كل ما فيها من تعقيدات مُدَوّخة كما فعلت هذه الرواية”. بطبيعة الحال، لم يتحقق أي من هذه الأمور، ليس مع الكتاب الأول، ولا مع الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس، ولكن بدلا من ذلك وجدت لاموت نوعا أعمق من الثواب الذي يتمثل في الاحساس “بالجمالية غير المقدرة” والتي صورتها آني ديلارد ببلاغة في رحلة تأملية خالدة في كتاب “حياة الكتابة”. تتفق لاموت مع راي برادبيري في موضوع عدم التقبل والرفض، معبرةً عن رأيها قائلتاً:

” ما زلت أشجع أي شخص يشعر أنه مضطر بأي حال من الأحول للكتابة بأن يقوم بذلك، وأحاول أن أنبه فقط الناس الذين ينوون أن يتم نشر أعمالهم بأن عملية النشر ليست يتلك العملية الشاقة التي تبدو عليها كما هو الحال مع الكتابة. لدى الكتابة الكثير لتعطيه والكثير لتعلمه والكثير من المفاجآت. سيتبين لك أن ذلك الامر الذي يجب عليك أن تجبر نفسك على القيام به -ممارسة الكتابة فعلياً- أنه هو الجزء الأفضل. حيث أنها مثل أن تكتشف أنك في حين ذهابك لحفلة شاي لم يكن مقصدك الكافيين نفسه بل الاحتفال. ويتبين أن المكافاة التي تقدمها الكتابة تتمثل في الممارسة الفعلية لفعل الكتابة.

[…]

أخبر طلابي أن احتمالية أن يتم نشر أعمالكم وجلبها لكم الأمان المالي وراحة البال وحتى السعادة ليست بتلك الاحتمالية الكبيرة. انهيار وهستيريا وجلد ميت وتشنجات ومشاكل مالية هو الذي ممكن أن تجدوه ولكن على الارجح ليس راحة البال. أخبرهم بأن يجب عليهم أن يمارسوا الكتابة على أية حال”.

يكمن مفهوم الكتابة حول تعلم الاهتمام والتواصل مع ما يجري.

يكمن مفهوم الكتابة حول تعلم الاهتمام والتواصل مع ما يجري.

ولكن، قد يتساءل المرء، لماذا؟، تجيب لاموت بشكل جميل:

“لا أجد أصدقائي الكتّاب، وهم كثيرون، يتجولون هنا وهناك مبتهجين ويعيشون حياة هادئة مليئة بالارتياح. بل الكثير منهم تكسوه نظرات ملؤها الخوف وسوء المعاملة والدهشة.

لكنني أيضا أقول [لطلابي] أنه في بعض الأحيان عندما يمارس أصدقائي الكتّاب عملهم في الكتابة ينتابهم شعور أفضل وأكثر بأنهم على قيد الحياة مقارنةً بما يشعرون به في أي وقت آخر. وأحيانا عندما يكتبون بشكل جيد فأنهم يشعرون كما لو أنهم يفون بالوعد لشيء ما. يبدو الأمر كما لو أن الكلمات الصحيحة، الكلمات الحقيقية، هي بالفعل بداخلهم، وانهم يريدون فقط مساعدتها على الخروج. الكتابة بهذه الطريقة تشبه إلى حد ما حلب بقرة: الحليب مغذٍ جداً ولذيذ، والبقرة سعيدة للغاية أنك قد قمت بفعل ذلك”.

بالنسبة لـ لاموت، يكمن جوهر الكتابة في شيء بسيط، شيء راسخ في كونك إنسان:

“تكمن الكتابة الجيدة في قول الحقيقة. نحن خلائق تحتاج وتريد أن تفهم ما هي عليه.

[…]

الأمل، كما وصفه تشيستيرون، هو القوة في كونك مبتهج في الظروف التي أعدتنا لنكون فيها يائسين. قد تكون الكتابة مسعى يائس جداً بسبب كونها تدور حول بعض من أكثر احتياجاتنا أهمية: حاجتنا لنكون مرئيين ومسموعين وحاجتنا لفهم حياتنا، ولنستيقظ وننمو وننتمي”.

تقول لاموت: “يكمن في صميم الكتابة القدرة على الإرادة الهادئة والرغبة في تقليص نزعة الانسان للشعور بالهزيمة أمام هول الرحلة التي نشعر بالشلل التام لأخذ أول خطوة فيها”.

تروي لاموت عن هذه الفكاهة الرائعة، والتي على أثرها تم اختيار عنوان الكتاب:

“قبل ثلاثين عام كان أخي الاكبر، والذي كان عمره عشر سنوات في ذلك الوقت، يحاول كتابة تقرير عن الطيور كان من المقرر تسليمه في اليوم التالي والذي كان لديه من الوقت ثلاثة أشهر لإكماله. كنا وقتها خارجين لكوخ عائلتنا في مقاطعة بولينيس وكان أخي جالساً على طاولة المطبخ على وشك أن تدمع عيناه متجمدا من ضخامة المهمة المقبلة محاطاً بالأوراق وأقلام الرصاص وكتب لم يفتحها عن الطيور. حينها اقترب والدي وجلس بجانب أخي واضعاً ذراعه حول كتفه وقال: “طيراً تلو الآخر، خذها طيراً تلو الآخر.”

في نهج الطير تلو الآخر هذا للكتابة ليس هناك مجالاً للكمالية. يقدم نيل غيمان نصيحته المشهورة “السعي للكمال يشبه السعي وراء السراب، فاستمر فقط في المسير”، ويحذّر ديفيد فوستر والاس من أنه “إذا كان إخلاصك للكمالية جدا ًعالي فلن تنجز أي شيء.” وتنبه لاموت من ذلك قائلتاً:

“الكمالية هي صوت الظالم وعدو الشعب. الكمالية سوف تقيد حريتك وتدفعك للجنون لبقية حياتك وهي تمثل عقبة رئيسية تحول بينك وبين كتابة حتى ولو مسودة أولية رديئة.

[…]

إن الكمالية هي نوع وضيع متجمد من أشكال المثاليّة بينما تعتبر الفوضى هي الصديق المخلص للمبدع. إن الأمر الذي ينساه الناس (بالتأكيد عن غير قصد) بطريقة أو بأخرى هو كيف أنه عندما كنا أطفالاً كنا نحتاج نكون فوضويين لنعرف من نحن وما سبب وجودنا -وامتداداً لذلك- وما الذي يتوجب علينا كتابته”.

تتفق لاموت مع سوزان سونتاغ في أن ما يفعله الكاتب في الأساس يتمثل في أنه “يولي اهتماماً لهذا العالم”. وتعطي لاموت شرحاً فاتناً لما يعنيه أن تكون كاتباً كالتالي:

“يكمن مفهوم الكتابة حول تعلم الاهتمام والتواصل مع ما يجري.

[…]

الكاتب هو الشخص الذي يقف بعيداً وحيداً مع احتفاظه بقراره في أخذ بعض الملاحظات. إن مهمتك ككاتب أن تقدم بوضوح وجهة نظرك وخط رؤيتك، وكذلك أن ترى الناس كما هم عليه في الواقع، ولتفعل ذلك لابد عليك أن تبحث عن نفسك في أكثر المعاني الممكنة رقّه ورأفه، عندها سوف يكون بإمكانك أن تدرك وتعرف الآخرين”.

وتذكرنا لاموت بكلمات أي. بي. وايت الخالدة عن المسؤولية الملقاة على عاتق الكاتب في رؤيتها لما يمكن اعتباره أنه من صميم عملك كونك كاتباً قائلةً:

“كي تكونَ كاتباً جيداً لا يتوجب عليك فقط أن تكتب كثيرًا، بل أن تهتم. لا يجب أن يكون لديك فلسفة أخلاقية معقدة، ولكن في اعتقادي أن الكاتب يحاول دوماً أن يكون جزءاً من الحل وأن يفهم القليل عن الحياة وينشر هذا الفهم.”

هذا يعني أن المرء يحتاج أن يكون لديه موقف أخلاقي (أنا نفسي لدي اعتقاد منذ زمن أن دور الكاتب العظيم أو المحرر أو أمين المكتبة أو أي شخص مؤمن على أي من القيم الثقافية هو أن يصوّر للناس ما يستحق الاهتمام به في هذا العالم ولأي سبب.) لاحظ جورج إليوت ذلك متسائلاً: “ما هو الشيء الذي نعيش من أجله إذا لم يكن جعل الحياة أقل صعوبة لبعضنا البعض؟”. وهذا هو نفس المفهوم التي تتبناه لاموت في سياق هذا الموقف الاخلاقي ذو الضرورة الماسة بقولها:

” بينما نعيش حياتنا نبدأ في اكتشاف ما يساعدنا في الحياة وما قد يؤلمنا، وفي هذا نجد شخصياتنا تسيء التصرف مع ذلك بشكل كبير. إنه موضوع أخلاقي .. موقف أخلاقي بداخلك يتسم بالقلق العاطفي. نحن الآن جميعاً في خطر ولدينا شيء جديد من كل شيء لنواجهه، فليس ثمة جدوى من تجميع الجمهور ومطالبتهم بالانتباه إلا إذا كان لديك شيء هام وبنّاء لتقوله. يقول صديقي كاربنتر: لم نعد بحاجة لأحد ما ليقول لنا أن السماء سوف تقع لأنها كذلك ستقع بالفعل. القضية الآن هي كيف نعتني ببعضنا البعض”.

وجدت لاموت في الكتابة ما قد وجده كال ساغان في العلوم، رهبة عميقة، وتقديس عميق، ومصدرا للسمو الروحي:

“كي تكون كاتباً، عليك أن تتعلم أن تكون وقوراً، وإلا لماذا تمارس الكتابة؟ لماذا أنت هنا؟ فكر في الوقار كهيبة، بكونك موجودا في هذا العالم مقبلاً نحوه. فكر في تلك الأوقات عندما كنت تقرأ النثر أو الشعر الذي كُتب بطريقة تتركك مذهولاً من الجمال أو الحكمة التي تحتويه، مذهولاً من لمحة قد أخذتها على روح شخص ما. فجأة كل شيء بدأ يتوافق مع الآخر أو على الأقل كان له معنى ولو للحظة. هذا هو هدفنا ككتاب، أن نساعد الآخرين للوصول لهذا الاحساس من الذهول من رؤية الأشياء من جديد ولكن بشكل جديد، تلك الأشياء التي باستطاعتها أن تأخذنا على حين غرة، تلك الأشياء التي تقتحم عالمنا الخاص الصغير المحدود. عندما يحدث ذلك، كل شيء يصبح أكثر قيمة.

[…]

هناك نشوة في الاهتمام تمكنك من الإقبال على الحياة كإقبال ووردزوورثيان للحياة، حيث ترى جوهر القداسة في كل شيء… “

ترى لاموت بشكل رئيسي في الكتابة ليس عملاً أنانياً من الإشباع الشخصي بل عملاً يتسم بالسخاء والكرم ، وهو ما يدفعنا جميعاً للاستيقاظ صباحاً لنشارك العالم شيئا نحبه ونذهب إلى الفراش ليلاً سعداء أننا قمنا بذلك:

“إذا كنت تعطي بسخاء وبدون قيد، سوف يكون هناك دائما أكثر.. وهذا يعتبر واحدا من أعظم المشاعر المعروفة لدى البشر، شعور كونك مضيف، مضيفاً للناس، أن تكون الشخص الذي يأتون نحوه للطعام والشراب والرفقة. وهذا هو ما يقدمه الكاتب”.

هذا هو هدفنا ككتاب، أن نساعد الآخرين للوصول لهذا الاحساس من الذهول من رؤية الأشياء من جديد ولكن بشكل جديد

هذا هو هدفنا ككتاب، أن نساعد الآخرين للوصول لهذا الاحساس من الذهول من رؤية الأشياء من جديد ولكن بشكل جديد

ويمكن إيجاد هذا الإشباع المتبادل حيث تكمن لذة الأدب:

“تقلل القراءة والكتابة شعورنا بالعزلة فهي تعمق وتوسع إحساسنا بالحياة وهي في ذلك تغذي أرواحنا. فعندما يجعلنا الكتّاب نومئ برؤوسنا معلنين موافقتنا لما يحتويه نثرهم وأشعارهم من صحة ودقة، وحتى عندما يجعلونا نضحك على أنفسنا أو على الحياة فهم في ذلك يرجعون لنا بهجتنا. فنحن بذلك يصفق لنا عند رقصنا مع لا منطقية الحياة، بدلاً من أن تسحقنا مراراً وتكراراً. فالأمر أشبه بكوننا نستمر في الغناء على متن قارب خلال عاصفة شديدة في عرض البحر، فأنت لا تستطيع إيقاف العاصفة الهائجة لكن الغناء يمكنه تغيير قلوب ونفوس الناس الذين هم معاً على متن تلك السفينة”.

Bird by Bird هو بدون شك كتاب لابد من قراءته وإعادة قراءته مرة أخرى بكامله. ومكملاً لهذا الكتاب تستطيع الاطلاع على كتاب The Writing Life للكاتبة Annie Dillard والتي ألهمت Lamott. وأيضاً يمكنك الاطلاع على كتاب Still Writing: The Pleasures and Perils of a Creative Life لكاتبه Dani Shapiro الذي كانت فكرة كتابة مستوحاة من أفكار Lamott.

14 أبريل,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة, نصائح الكتابة | إرسال التعليق

ليو تولستوي: كلما كانت الكتابة صعبة جاءت نتائجها طيبة

والأديب يعلم من التجربة أن الكتابة عملية يسيطر فيها على مادته ومن خلال ذلك يسيطر على نفسه أو يصبح سيد نفسه.

والأديب يعلم من التجربة أن الكتابة عملية يسيطر فيها على مادته ومن خلال ذلك يسيطر على نفسه أو يصبح سيد نفسه.

كلّ أديب حين يكتب شيئًا جيّدًا، فإنه يكتب ما يريد أن يكتبه. أريد أن أركز على هذه النقطة؛ كل عمل فني هو وليد الحاجة والرغبة في خلق شيء. هذا هو الفرق بين الدافع الفني والدافع العلمي؛ العلم فهم وتجربة، خلاصة تجربة. إنه الفكرة والاكتشاف. والفن هو خبرة الحياة الشخصية، الخبرة كما ترويها الصور والأحاسيس. إنه الخبرة الشخصية التي تحاول أن تصل إلى التعميم.

والأديب يعلم من التجربة أن الكتابة عملية يسيطر فيها على مادته ومن خلال ذلك يسيطر على نفسه أو يصبح سيد نفسه. وتجربة الكتابة تواجهها دائمًا عقبات يجب حلها. هناك دائما صعوبة ينبغي التغلب عليها، لا يوجد أديب يفيض قلمه بسهولة بغير متاعب، إن الكتابة صعبة وكلما كانت صعبة جاءت نتائجها طيبة.

كيف نتغلب على هذه العقبات؟

هناك نصيحة يمكن إسداؤها بثقة بالنسبة لكافة المشاكل الفنية التي تتطلب الحل. هذه النصيحة هي أن تختار الحل الذي يعجبك أنت، والذي يجذبك إليه من دون الحلول الأخرى. وبتعبير آخر، عليك أن تجرب الموقف الفني وأن تختار الحل الذي تهواه، الحل الذي يضايقك لا تقربه، وإذا جربته فإن النتيجة ستكون زائفة وسيئة. إذا كتبت وأنت في حالة ضيق أو بدون حماسة فإنك تسير في الطريق الخطأ. يجب أن تحلّق وتستخدم أجنحتك لتطير.

هناك أمور يمكن شرحها في الفن، في مشاكل الحرفة، ولكن هناك أيضا مسائل شخصية وسرية وحساسة في عملية الإبداع الفني، لا يجوز التحدث عنها، كما لا يجوز للمرأة أن تصف أو ليلة لها مع رجل، وحين يؤرخ الفنان حياته الفنية فإنه عادة يتناول الكثير من مسائل الإبداع الفني، ولكنني أعتقد أن أهمها لم يكتب بعد، ما زال في طيّ الكتمان.

ونحن نعلم أن شيللر كان يستلهم الوحي من تشمّم التفاح العفن، ولا أحد بالطبع يعرف كيف ومن أي طريق خفي كانت رائحة التفاح تلك تتحول إلى لحم ودم لكلمات وقافية. وإلى أن يصل العلم إلى تحليل دقيق لعملية الإبداع الفني فسوف تظل محاولة تفسيرها كاملة وبدقة، أشبه باصطياد الهواء في شبكة.

المصدر: لعبة الأدب

9 أبريل,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | إرسال التعليق

أمبرتو إيكو: النص كيان متكامل له ذكاؤه الخاص

أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

أجرى اللقاء Lila Azam Zanganeh لِيلا أزام زانغانيه. (كاتبة من أصل إيراني نشأت ودرست في باريس، حاليًا تسكن وتعمل في نيويورك).

ترجمة: رؤوف علوان – تكوين *

الصحفية: هل تكتب بشكل منهجي محدد؟

إيكو: كلا، على الإطلاق. ففكرة قد تأخذني إلى فكرة أخرى. أو كتاب اقرأه يفضي بي إلى كتاب آخر. ويحدث في أوقات كثيرة، أن أجدني أقرأ في وثيقة عديمة الفائدة، وفجأة أجد فكرة أبحث عنها تدفع أحداث قصتي للأمام. أو بإمكاني القول بأنني أضع صندوقًا صغيرًا في بطن صغيرٍ أكبر في مجموعة صناديق تحوي بعضها البعض.

الصحفية: قلتَ ذات مرة بأنك حين تريد كتابة رواية تبتكر عالمًا متكاملاً وثم “الكلمات ستتدفق من ذاتها”. هل هذا يعني أن موضوع الرواية يحدد أسلوب الرواية؟

إيكو: أجل، فبالنسبة لي الجزئية المهمة تكمن في أن أشيد عالَمًا متكاملاً – سواء دير في القرن الرابع عشر برهبان مسمومين، أو شاب يعزف الترومبيت في المقبرة، أو مخادع في زمن سقوط القسطنطينية. إن القيام بالبحث يعني أن أخلق عالَمًا دقيقًا محددًا وواضح المعالم من مثل: كم عدد درجات السلم الحلزوني في الدير؟ كم عدد الأشياء في قائمة غسيل الثياب؟ كم عدد المشاركين الذين سيقومون بالمهمة أو تلك؟ بعد ذلك، الكلمات ستتشكل من كل هذه التفاصيل. في الأدب، أشعر أننا نرتكب خطأ الاعتقاد بأن الأسلوب الأدبي له علاقة فقط بصياغة اللغة من مفردات ومترادفات في عبارة أو جملة. وهناك أيضًا ذلك الأسلوب السردي، الذي يتحكم في كيفية بناء مقاطع كبيرة بطريقة معينة لخلق موقف. خذ الفلاش باك على سبيل المثال، الفلاش باك أحد عناصر بناء الأسلوب، لكن ليس له علاقة باللغة. لهذا، الأسلوب أكثر تعقيدًا من أن يكون مجرد كتابة. بالنسبة لي الأسلوب يشبه تمامًا وظيفة المونتاج في الأفلام.

الصحفية: إلى أي مدى تجتهد في الكتابة لتحصل على النبرة الصحيحة في سرد قصصك؟

إيكو: أعيد كتابة نفس الصفحة أكثر من مرة. وأحيانًا أقرأ مقاطع منها بصوتٍ عالٍ. أجدني حسّاسًا جدًا فيما يتعلق بنبرة السرد في قصصي.

الصحفية: هل أنت مثل غوستاف فلوبير، تتعذب حتى تجد جملة واحدة جيدة؟

إيكو: كلا، الأمر هذا لا يعذبني. لأنني أعيد صياغة نفس الجملة مرات عديدة. لكن الآن، بفضل الحاسوب، طريقتي بالكتابة تغيرت. حين كتبتُ رواية اسم الوردة بخط يدي، ولاحقًا السكرتيرة طبعتها بالآلة الطابعة. كان الأمر صعبًا، حينذاك، لإعادة صياغة جملة عشرات المرات ونسخها من جديد. كنا نستخدم ورق الكربون، لكن أيضًا استخدمنا المقص والصمغ. مع الحاسوب بدا الأمر سهلاً لإعادة صياغة الصفحة عشر مرات أو عشرين مرة بنفس اليوم، مع التصحيح والتنقيح. أعتقد بأننا في طبيعتنا لسنا سعداء بكل ما توصلنا إليه. لكن الآن الأمر سهل، سهل جدًا للتصحيح. لهذا بشكل ما أصبحنا أكثر تطلّبًا.

الصحفية: الروايات ذات الشخصية التي تنضج وتتطور عبر تجارب الحياة، عادة تحوي العاطفة والجنس والتعلّم. وفي مجموع رواياتك، هناك فقط مشهدان جنس أحدهما في رواية اسم الوردة، والآخر في رواية باودلينو. ما السبب في ذلك؟

إيكو: أظن لأنني أحب ممارسة الحب على أن أكتب عنه.

الصحفية: لماذا كان آدسوAdso في رواية اسم الوردة ينشد ” نشيد الإنشاد Song of the Songs” حينما كان يمارس الحب مع الفتاة الفلاحة؟

إيكو: كان ذلك من أجل متعة التلاعب بالأساليب الأدبية، لأنني لم أكن مهتمًا كثيرًا بفعل الجنس بحد ذاته في المشهد، بقدر ما كنت مهتمًا بوصف كيف لراهب شاب أن يختبر تجربة الجنس من خلال تعليمه الديني. فصنعت تركيبة مما لا يقل عن خمسين نصًا من النصوص الروحانية القديمة فيها وصف للذّة النشوة، وأضفت عليها بعض الآيات من سِفْر نشيد الإنشاد (أحد أسفار العهد القديم في الكتاب المقدس). ففي الصفحتين اللتين خصصتهما لوصف مشهد الحب، بالكاد توجد كلمة واحدة من ابتكاري. شخصية آدسو لا يمكنها فهم ممارسة الحب إلا عبر ثقافتها التي تعرفها. بإمكانك أخذ هذا كمثال لمفهوم الأسلوب الأدبي، كما أعرّفه.

الصحفية: في أي وقت من اليوم تكتب؟

إيكو: لا توجد هناك قاعدة. فبالنسبة لي من المستحيل أن ألتزم بجدول معين. قد يحدث أن أبدأ الكتابة في السابعة صباحًا وأنتهي عند الثالثة بعد منتصف الليل. أتوقف فقط لأتناول شطيرة. وأحيانًا لا أشعر بالرغبة في الكتابة أبدًا.

الصحفية: حينما تكتب، كم عدد الصفحات التي تنجزها باليوم الواحد؟ أم لا توجد قاعدة لذلك أيضًا؟

إيكو: لا توجد قاعدة لذلك أيضًا. اسمعي، الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الصحفية: هل هذا يعني أنك كل يوم تنجز كمًا مختلفًا؟

إيكو: لو كنتُ في منزلي الريفي فوق تلال مونتفيلترو Montefeltro، سيكون لدي روتين كتابة معين: أفتح الحاسوب، أنظر في بريدي الإلكتروني، أقرأ بعض الرسائل، ثم أكتب إلى ما بعد الظهيرة. فيما بعد أتجه إلى القرية، حيث أحتسي كأسًا في الحانة، وأقرأ الصحيفة. بعد ذلك أعود للمنزل أشاهد بعض البرامج المتلفزة، أو أشاهد فيلمًا في المساء حتى الحادية عشر ليلاً، ثم أواصل الكتابة قليلاً إلى الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل.

كما ترين، حينها يكون لي روتين بالكتابة لأنه ما من شيء يقاطعني. بينما حين أكون في ميلانو، أو في الجامعة، لا يصبح الوقت ملكي – لأنه دائمًا هناك شخص آخر يقرر ما يجب عليّ القيام به.

الصحفية: هل هناك مخاوف أو قلق ينتابك حين تبدأ بالكتابة؟

إيكو: ليس لدي أي قلق أو مخاوف.

الصحفية: ليس لديك قلق. إذن حين تكتب تبدو متحمسًا؟

إيكو: حينما أجلس وأبدأ بالكتابة، أشعر بسعادة عميقة بداخلي.

الصحفية: ما سرّ الإنتاج الغزير في كتاباتك؟ وأعني لقد أنجزت العديد من الأعمال الأكاديمية، بالإضافة إلى رواياتكِ الخمس في فترة قصيرة.

إيكو: دائمًا أقول بأنني أستطيع أن أستغل فترات الفراغ القصيرة. هناك الكثير من الفراغ بين الذرّة والأخرى، وبين الإلكترون والآخر، لو استطعنا أن نقلّص مادة الكون بإلغاء كل الفراغات التي تفصل بين الأجرام، حينها كل الكون سيبدو في حجم الكرة. حياتنا بالمثل، مليئة بتلك الفراغات. على سبيل المثال، حين اتصلتِ بي هذا الصباح، وبعدها اضطررتِ أن تنتظرين وصول المصعد، انقضت عدّة ثوانٍ حتى وصلتِ إلى بابي. في لحظات انتظاري لك، وفي تلك الثواني القليلة، كنت منشغلاً بالتفكير بما كنتُ أكتبه. بإمكاني الكتابة في دورة مياه قطار. وحين أعوم في المسبح تأتيني أفكار كثيرة، وبخاصة حين أسبح بالبحر. بينما في مغطس الحمّام لا تأتيني أفكار كثيرة، لكن تأتي أفكار لا بأس بها.

الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الكتابة لا تعني بالضرورة أن نضع الكلمات على الورق. لو كان الأمر كذلك، إذن سيكون بإمكانك أن تكتبي أثناء المشي أو الأكل.

الصحفية: ألا تأخذ قسطًا من الراحة من الكتابة بتواصل؟

إيكو: كلا! هذا لا يحدث. أووه، حسنًا بلى يحدث ذلك. أذكر ذات مرة أخذت قسطًا من الراحة لمدة يومين بسبب عملية جراحية أجريتها.

الصحفية: كيف تستمع في يومك؟

إيكو: بقراءة الروايات ليلاً. وأحيانًا أتساءل بيني وبين نفسي، هل قراءة الروايات بالنهار تعتبر خطيئة. بإمكانكِ أن تلاحظي أن النهار عادة لكتابة المقالات والأعمال الشاقة الأخرى.

الصحفية: ماذا عن مُتعكَ المحرّمة؟

إيكو: لن أعترف! لكن ها هي: كأس من السكوتش، وكان التدخين إحدى مُتَعي إلى أن امتنعت عنه قبل ثلاث سنوات. كنت أدخّن تقريبًا ستين سيجارة باليوم. وسابقًا كنت أدخن الغليون، لذا كانت متعتي بنفث الدخان أثناء الكتابة. لم أكن أسحب الدخان لصدري كثيرًا.

الصحفية: ينتقدُكَ الكثير بأنك تستعرض معرفتك في أعمالك. لدرجة أن أحد النقاد قال بأن الشيء الوحيد الذي يجده في أعمالك هو قدرتها على جعل القارئ العادي يشعر بمهانة جهله. بالمعنى أنك تستعرض عضلاتك المعرفية.

إيكو: هل أنا شخص ساديّ؟ لا أعلم. استعراضي؟ ربما. إني أمزح. بالطبع لستُ كذلك! لا أقوم بكل هذا الجهد من الكتابة فقط لأكدّس معرفتي على القارئ. بالتحديد كل ما أعرفه يوجد تحت تفاصيل البناء الروائي لقصصي. والأمر يعود للقارئ بأن يراها أو لا يراها.

الصحفية: هل تجد نجاحك الباهر كأديب غيّر نظرتك لدور القارئ؟

إيكو: بعدما أمضيت الكثير في الحقل الأكاديمي، بدت كتابة الرواية ككتابة النقد المسرحي حيث فجأة تجد نفسك تقف تحت الأضواء، يحدق بك زملاؤك السابقين – النقاد. كان الأمر بالبداية مربكًا.

الصحفية: لكن هل كتابة الرواية غيّرت فكرتك عن مدى إمكانية تأثيرك كمؤلف على القارئ؟

إيكو: دائمًا أعتقد أن الكتاب الجيد أكثر تأثيرًا من مؤلفه. فبإمكان كتاب أن يخبر القارئ بأشياء لم تخطر على بال المؤلف نفسه.

الصحفية: هل برأيك بعدما أصبحت من أصحاب الروايات الأكثر مبيعًا، أن هذا أثّر على صورتك كمفكّر جاد في العالم؟

إيكو: منذ أصدرت رواياتي تسلمتُ خمسَ وثلاثين شهادة فخرية من مختلف الجامعات حول العالم. من وجهة النظر هذه أستطيع أن استنتج بأن الجواب على سؤالك هو: كلاّ. بينما في الأوساط الأكاديمية، الكثير من الأكاديميين كانوا مهتمين بالعلاقة بين جانبَيْ السرد الأدبي والأكاديمي لديّ. وكانوا عادةً يتوصلون لإيجاد رابط بينهما، روابط حتى أنا شخصيًا لم أكن أتخيل أنها موجودة. ولو شئتِ، بإمكانكِ رؤية جدارية الإصدارات الأكاديمية التي كُتبت عني.

بالإضافة لذلك، لا زلت أكتب مقالات أكاديمية. لا زلت أواصل العيش كبروفيسور يكتب الرواية خلال إجازة نهاية الأسبوع، وليس كمؤلف يدرّس في الجامعة. أحضِر المؤتمرات العلمية أكثر مما أحضر المؤتمرات التي تعقدها حركة المؤلفين والنقاد الأدبية. وفي الحقيقة، بإمكاني أن أقول: ربما وظيفتي الأكاديمية هي التي زعزعت صورتي عن ذاتي كمؤلف مشهور.

الصحفية: الكنيسة الكاثوليكية بالتأكيد جعلتك تذوق المُرّ. صحيفة الفاتيكان الرسمية أطلقت على روايتك بندول فوكو بأنها “مليئة بالبذاءة، والتجديف، والحماقات، والقذارة، يقذف كل هذا مدفعٌ من التعجرف والتهكم.”

إيكو: الغريب بالأمر أنني استلمت منذ مدة شهادات فخرية من كنيستين كاثوليكتيين، لوفين Leuven و لويولا Loyola.

الصحفية: هل تؤمن بوجود الله؟

إيكو: لماذا يقع المرء في حب شخص بيوم ما، وثم بيوم آخر يكتشف أن مشاعر الحب لديه تلاشت؟ آهٍ، إنّ المشاعر تختفي بلا تبرير، وغالبًا بلا أثر.

الصحفية: إن كنت لا تؤمن بالله، فلماذا تكتب كثيرًا عن الدين؟

إيكو: لأني أؤمن بالأديان. فالإنسان حيوان يتوق للدين، وخصلة كهذه في سلوك الإنسان لا يُمكن تجاهلها أو استبعادها.

الصحفية: بالإضافة إلى شخصيّتَيْ الأكاديمي والأديب، هنالك شخصية ثالثة تحاول أن تجد حيزًا بداخلك: شخصية المترجم. إذ لديك أعمال كثيرة قمت بترجمتها ونُشرت بشكل واسع، وأعمال حول مشاكل الترجمة.

إيكو: قمت بتحرير الكثير من الترجمات، وترجمتُ عملين بنفسي، ورواياتي تُرجمت لغات عدّة. وجدتُ بأن الترجمة هي نوع من أنواع التفاوض. لو أردت أن تبيعني شيئًا فإننا سنتفاوض- ستخسر شيئًا وسأخسر شيئًا أنا الآخر من ناحيتي. لكن في نهاية الأمر كِلانا سنخرج بشكل ما، بنتيجة مُرضية.

في الترجمة، الأسلوب لا يتعلق بثراء المفردات اللغوية للمترجم، إذ بإمكانك الاستعانة بموقع AtraVista الإلكتروني لذلك، لكن الأمر يتعلق بالإيقاع. الكثير من الباحثين أقاموا اختبارات على تواتر الكلمات في رواية مانزوني The Berthold ، روايته التي تعتبر أحد التحف الفنية في الأدب الإيطالي بالقرن التاسع عشر. لم يكن لدى مانزوني Manzoni أي ثراء لغوي أبدًا، ولم يأتِ بمجازات مبتكرة، وقد استخدم الصفة “جيد” بكمية مخيفة. لكن أسلوبه الأدبي مميز، نقيٌّ وبسيط. وللقيام بترجمة روايته، وكذلك هو الأمر مع كل الترجمات العظيمة، عليك أن تغوص في أعماق عالمه، وتستحضر أنفاسه، وإيقاعه الدقيق.

الصحفية: هل تشارك في ترجمة أعمالك؟

إيكو: عادة أقرأ ترجمات رواياتي بكل لغة أعرفها. وغالبًا ما أكون راضيًا على النتيجة. ذلك بسبب أنني والمترجمين نعمل سويًا، ولا بد أنني محظوظ، لأني حظيت بنفس المترجمين طوال فترة حياتي. نتعامل مع بعض بتفاهم متبادل. وأحيانًا أعمل معهم في ترجمات لغات لا أتقنها مثل: اليابانية، الروسية، والهنغارية – وهذه لغات صعبة، فنتعاون سويًا للعمل على حل بعض مشاكل الترجمة.

الصحفية: هل يعرض عليك أحد المترجمين اقتراح يفتح احتمالات جديدة ليست موجودة في النص الأصلي؟

إيكو: أجل، هذا يحدث. وأكرر من جديد، النصّ بحد ذاته كيان متكامل له ذكاؤه الخاص أكثر من المؤلف. أحيانًا بإمكان النصّ أن يلمّح بأفكار إلى القارئ لم تخطر على بال المؤلف. لهذا بينما يضع المترجم النصّ في لغة أخرى، يعثر على تلك الأفكار ويحاول أن يكشفها لنا.

الصحفية: هل لديك الوقت لقراءة روايات المؤلفين المعاصرين لك؟

إيكو: ليس كثيرًا. منذ أن أصبحت روائيًا وجدتني بت متحيزًا. فإما أجدني مع رواية جديدة وأظنها أسوأ من روايتي، فأكرهها. أو أجدني مع رواية أتوجس أنها أفضل من رواياتي، فأكرهها أيضًا.

الصحفية: ما رأيك بالأدب الإيطالي اليوم؟ هل هناك أدباء في إيطاليا سنسمع عنهم قريبًا هنا في أميركا؟

إيكو: لا أعلم إن كان هناك أدباء جيدون، لكن أدباءنا المتوسطين الجودة تطوروا. لا تكمن قوة الأدب الأميركي، كما تعلمين، بوجود فولكنر أو همنغواي أو بيللو فقط. بل وأيضًا بوجود أدباء متوسطي الموهبة ينتجون أدبًا معقولاً يدرّ الربح. هذا النوع الأخير من الأدب، يتطلب أدباء حِرفييّن، بخاصة في روايات المحققين البوليسية، والتي بالنسبة لي هي مقياس للأدب بكل بلد. كثرةُ الأدباء متوسطي الجودة، يعني أيضًا، بأن أميركا بإمكانها إنتاج مادة كافية لإشباع حاجات القارئ الأميركي. لهذا نجد الأعمال المترجمة قليلة بالمقارنة. وهذا الأدب -المتوسط الجودة- كان غائبًا لفترة طويلة عن إيطاليا، لكن الآن وأخيرًا، هناك مجموعة من الكتّاب الشبان ينتجون هذا النوع من الأدب. لستُ مثقفًا متعاليًا، لا أعتقد ذلك، لكنني أرى بأن هذا الجنس الأدبي جزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي بكل بلد.

الصحفية: لكن لماذا لا نسمع عن الكتّاب الإيطاليين؟ فأنت ربما الكاتب الإيطالي الوحيد المعاصر، الذي يقرأ العالم أعماله، أو على الأقل دعنا نقول أنّ أعماله منتشرة.

إيكو: إن الترجمة هي السبب. ففي إيطاليا 20% من مبيعات الكتب تذهب لصالح الكتب المترجمة. بينما في أميركا النسبة 2% فقط.

الصحفية: يقول فلاديمير نابوكوف “أقسّم الأدب إلى فئتين، الكتبُ التي تمنيت لو كتبتُها، والكتبُ التي كتبتها.”

إيكو: حسنًا، في فئة الكتب التي تمنيت أن أكتبها سأضع كتب كيرت فونيجت Kurt Vonnegut، دون دليلو Don DeLillo، فيليب روث Phillip Roth ، وبول أوستر Paul Auster. لكن بشكل عام، فإني أميل للأدب الأميركي المعاصر أكثر من الأدب الفرنسي، رغم أن اللغة الفرنسية هي أساس منشأ ثقافتي لكن هذا يعود لأسباب جغرافية لا أكثر. بصفتي نشأت في بلدة قريبة من حدود فرنسا، واللغة الفرنسية كانت أول لغة أجنبية أتعلمها. ولعلني أعرف الأدب الفرنسي أكثر من الأدب الإيطالي.

الصحفية: من الذين ألهموا إيكو؟

إيكو: جوابي عن سؤال كهذا عادة يكون: جويس وبورخيس لكي أُبقِي الصحفيين صامتين. لكن جويس وبورخيس ليس فقط من تأثرت بهما، فهناك أسماء كثيرة تأثرت بها. بالطبع منهم جويس وبورخيس، لكن أيضًا تأثرت في أرسطو، توما الأكويني، جون لوك John Lock – والقائمة لا تنتهي.

الصحفية: مكتبة منزلك في ميلانو بحد ذاتها أعجوبة، ما هي أنواع الكتب التي تفضّل اقتنائها؟

إيكو: أمتلك حوالي خمسين ألف كتاب. لكن كجامع للكتب النادرة أنا مهتم بنزعة تطور الفكر الإنسانيّ. فأجمع كتبًا حول مواضيع لا أؤمن بها، مثل الكابالا (فلسفة دينية سرية عند أحبار اليهود والنصارى في العصر الوسيط أو مذاهب صوفية)، وحول موضوع الخيمياء، والسحر، واللغات المبتكرة، والكتب التي تكذب بشكل ساذج. لديّ بطليموس، لكن ليس غاليليو، لأن هذا الأخير اعتاد أن يقول الحقيقة. إني أفضّل العلماء المجانين.

الصحفية: حينما تقف أمام كل هذه المجلدات الكثيرة في مكتبتك، كيف تقرر اختيار الكتاب الذي تريد؟

إيكو: لا أقف أمام مكتبتي واختار كتابًا لأقرأه، إنما اختار الكتاب الذي أجدني في حاجة إليه في وقتها، وهذا أمر آخر. على سبيل المثال، لو سألتِني عن الكتّاب المعاصرين سأبحث في كتب Roth و DeLillo كي أتذكر الصفحات التي أحبها. ولا تنسَيْ بأنني أكاديميّ، لا أختار قراءة كتاب بشكل عشوائي. بل لأقرأ حسب حاجتي لمادة البحث الذي أقوم به حينها.

الصحفية: هل تعير كتبك لأحد؟

إيكو: تصلني مجموعات هائلة من الكتب كل يوم – روايات، أو طبعات جديدة من كتب كنت أمتلكها مسبقًا – لهذا تجدينني بين أسبوع وآخر أملأ صندوقًا وأرسله إلى الجامعة، حيث هناك طاولة كبيرة مكتوب عليها بخط عريض: خذ كتابًا واهرب.

الصحفية: بصفتك أحد المفكرين المهمين في عالمنا اليوم، ما هو تعريفك لمصطلح كلمة “المفكر”؟ هل لا زالت لهذه الكلمة معنى معين؟

إيكو: إن كنت تعني بكلمة “مفكر” الشخص الذي يستعمل عقله أكثر مما يعمل بيديه، إذن بهذا المعنى يعتبر موظف المصرف مفكرًا ومايكل أنجيلو ليس مفكرًا. لكن اليوم، وبفضل الحاسوب، الكل أصبح مفكرًا. لهذا لا أعتقد أن مفهوم “المفكر” له علاقة بوظيفة شخص أو طبقته الاجتماعية. من وجهة نظري، “المفكر” هو كل شخصٍ ينتج معرفة جديدة. فالفلاّح البسيط الذي يفهم أنه من خلال طريقة جديدة في تطعيم البذور بإمكانه انتاج نوع جديد من التفاح، هو بتلك اللحظة شرّع معرفة جديدة. بينما بروفيسور الفلسفة الذي يقضي عمره كله يكرر نفس المحاضرات عن هيدجرHeidegger لا يستحق لقب “مفكر”. الإبداع النقديّ – في إعادة التفكير ونقد كل ما نبدعه وابتكار طرائق جديدة للإبداع – هو السمة الوحيدة في مهمة المفكرين.

الصحفية: هل لا زال المفكر اليوم يشعر بواجب التزاماته السياسية، كما كان الحال أيام سارتر وفوكو؟

إيكو: لا أؤمن أن كل مفكر يجب أن يؤدي دورًا شبيهًا بعضو في أحد الأحزاب السياسية. أو الأسوأ، بأن تكون كتاباته محصورة فقط في جانب المشاكل الاجتماعية المعاصرة. فالمفكر يجب أن يكون مهتمًا بالسياسة مثله مثل أي مواطن عادي. وفي الغالب، بإمكان المفكر أن يستخدم مكانته وسمعته في مساندة قضية ما. فلو كان هناك عريضة حول مشكلة البيئة مثلاً، وجود اسمي سيساعد القضية حتمًا باستغلال مكانتي وسمعتي في شيء كهذا. مهمة المفكر تقع في أنه يفكر للمستقبل وليس للحاضر. فلو حدث حريق في مسرح مثلاً، فلن يقف شاعر على كرسي ويتلو قصيدة، بل عليه أن يستدعي رجال الإطفاء على عجل كأي شخص آخر بهذه الظروف. فوظيفة المفكر أن يرى المستقبل، بأن يحذرنا من أن هذا المسرح قد يحترق لأن المبنى قديم وليس آمن. فتبدو لكلمات المفكر وقع النبوءات. وظيفة المفكر باختصار تقع في: علينا أن نقوم بفعل هذا الشيء أو ذاك. ولا تقع مهمته في: لنفعل هذا الشيء الآن.. لأن الأخيرة هي مهمة الساسة. لو أن مدينة توماس مور الفاضلة تحققت بشكل ما، بلا شك لكانت ستكون مدينة ستالينيّة.

الصحفية: ما الذي أضافته الثقافة والمعرفة لحياتك؟

إيكو: إن رجل غير متعلم، دعينا نقول بمثل عمري، سيتوفى بعد أن يعيش حياة واحدة. بينما أنا عشت حياة كل من: نابليون، والقيصر، و D’Artagnan ( دارتانيان شخصية روائية خيالية وأحد أبطال رواية الفرسان الثلاثة للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما ). لهذا كثيرًا ما أحث الصغار على القراءة. لأنها الطريقة المثالية لاكتساب ذاكرة عظيمة، ولصقل الشخصية. ثم لاحقًا في النهاية سيبدو الأمر وكأنما عاشوا حيوات متعددة، وهذه مزية رائعة.

الصحفية: لكن الذاكرة الحادة قد تعني عبئا ثقيلا أيضًا، مثلما لدى شخصية فونيسFunes أحد شخصيات بورخيس المفضلة لديك من قصة “Funes the Memorious فونيس ذو الذاكرة العظيمة.”

إيكو: أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة. لا يمكنك أن تلتهم كل أنواع المعرفة. عليك أن تتعلم كيف أن لا تعرف كل شيء عن كل شيء وإلا، لن تتعلم شيء. بهذا المعنى، الثقافة هي طريقتنا في أن نتعلم كيف أن ننسى. عدا ذلك، سيغدو المرء منا مثل شخصية ” فونيس”، الذي يتذكر كل ورقة شجرة رآها قبل ثلاثين عامًا. القدرة على نسيان ما لا نريد معرفته، وتذكّر ما نريد معرفته، أمر حاسم في عملية الإدراك المعرفي.

الصحفية: لكن أليست الثقافة بمفهومها العام إقصائية؟

إيكو: أجل. فثقافتنا هي عملية تأتي بالدرجة الثانية، لأن الثقافة بمفهومها العام تعمل عمل المرشح (الفلتر). بطريقة ما، الثقافة عملية آلية من خلالها يقوم مجتمع ما باقتراح ما يجب أن نحفظه وما يجب نسيانه. على سبيل المثال، الثقافة قد قررت – وانظري في كل موسوعة – بأن ما حدث لكالبيرنيا بعد موت زوجها يوليوس قيصر أحداث لا تستحق الذكر. وفي أغلب الأحوال لم يحدث لها شيء يستحق الذكر. بينما كلارا شومان تصبح لها أهمية بعد موت الموسيقار شومان. فالإشاعات تقول بأن كلارا كانت عشيقة برامز Brahms، وبأنها أصبحت عازفة بيانو مشهورة بحد ذاتها. هذه تبقى حقيقة إلى أن يأتي مؤرخٌ في لحظة ليستخرج وثيقة مجهولة فيها ما ينقض هذه الحقيقة.

لو كانت الثقافة غير إقصائية، فستكون تافهة، بمثل تفاهة الثقافة اللامحدودة التي يوفرها الإنترنت. ولو حدث أننا امتلكنا مثل هذه المعرفة اللامحدودة في عقولنا عبر الإنترنت، فسنتحول إلى أغبياء وحمقى. فالثقافة أداة لخلق نظام تسلسلي من المعرفة. بالنسبة لي ولك يكفي أن نعرف بأن آينشتاين قدّم نظرية تدعى النسبية. لكن لفهم تفاصيل النظرية بدقة فهذا من شأن المتخصصين. تقع المشكلة الحقيقية بمنح الحق للكثير بأن يصبح متخصصًا.

أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة.

أحب ذلك الشعور بالجوع المعرفي، ولإشباع هذا الجوع، عليك أن تحدد مجالات معينة من المعرفة.

الصحفية: ماذا عمّن أعلنوا عن: موت الرواية، موت الكتب، وموت القراءة؟

إيكو: الإيمان بنهاية شيء، هو أنموذج ثقافي مكرر. فمنذ الإغريق والرومان، كنا نؤمن وبإصرار بأن أسلافنا أفضل منا. دائمًا تدهشني تلك اللعبة التي تمارسها علينا وسائل الإعلام وبشراسة متزايدة. ففي كل موسم تجد مقالاً يتحدث عن نهاية الرواية، ونهاية النثر، ونهاية الأدب الأميركي. وأن الناس ما عادت تقرأ! وأن المراهقين مهتمين فقط بألعاب الفيديو!

في حقيقة الأمر، أينما تذهب حول العالم هناك آلاف المكتبات المليئة بالكتب والممتلئة بالفئات العمرية الشابة. لم يحدث قط في تاريخ البشرية أن يتوفر هذا الكم الهائل من الكتب، بهذا المعدل المرتفع من بيع الكتب، وبهذا الكم من الفئات العمرية الشابة التي تذهب للمكتبات وتشتري الكتب.

الصحفية: ماذا تقول للخائفين من موت: الرواية، الكتب، والقراءة؟

إيكو: الثقافة تتشكل وتتغير بشكل دائم. سيكون حتمًا هناك ثقافة أخرى (في المستقبل)، لكنها ستبقى ثقافة.
فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، كانت هناك قرون من التحولات الجذرية، على مستوى اللغة، السياسة، الأديان، والثقافة. هذه التغييرات تحدث الآن عشر مرات أسرع مما كانت عليه بالأزمنة السابقة. حتمًا أشكال جديدة من التعبير قد تنشأ، ولكن الأدب سيبقى.

الصحفية: قلت بوقت ما، أنك تريد يتذكرك الناس كأكاديمي أكثر من روائي. هل كنت تعني ذلك حقًا؟

إيكو: لا أتذكر أني قلت شيئا كهذا، لأنه قد يكون أحدهم حرّف معنى كلامي ليتناسب مع صيغة سؤاله. لكن عند هذه النقطة، علّمتني التجربة بأن الأعمال الأكاديمية لا تبقى لفترة طويلة. وهذا بسبب أن كل دقيقة تظهر نظرية جديدة تنقض سابقتها. أعمال أرسطو نجت عبر الزمان ولم تُطمس، لكن العديد من النصوص الأكاديمية منذ قرن مضى لم تعد تُطبع من جديد. بينما الكثير من الروايات يعاد طباعتها بشكل مستمر. لذا علميًا، نسبة أن يُخلّد عملك كأديب أعلى من نسبة أن يُخلّد عملك كأكاديمي. مع الأخذ بالحسبان الاستثناءات بالطبع.

الصحفية: ما أهمية أن تُخلّد أعمالك بالنسبة إليك؟ هل تفكر بين الحين والآخر بما ستتركه من بعدك؟

إيكو: لا أعتقد أن أحدًا يكتب لنفسه. أرى الكتابة مثل الحب.. نحن نكتب لأننا نريد أن نعطي شيئًا للآخرين. أن نتواصل مع الآخر. وأن نشارك الآخرين بمشاعرنا. ومشكلة أن يُخلّد عملٌ ما، مشكلة تؤرق كل كاتب وليس فقط الأدباء والشعراء. في الحقيقة، حتى الفيلسوف يكتب محاولاً أن يقنع أكبر قدر من الناس بنظريته، ويعزوه الأمل بأن الناس ستبقى تقرأ له طوال الثلاثة آلاف سنة قادمة. الأمر يشبه أن يخلفك أبناؤك، أو حفيد يخلف أبنائك. الكل يأمل بالاستمرارية. حين يقول لك أحد الكتّاب بأنه لا يكترث بمصير كتبه، تأكد أنه ببساطة يكذب. وأنه يقول ذلك فقط ليُرضي غرور الصحفي الذي يسأله.

الصحفية: في هذا العمر، هل أنت نادم على شيء؟

إيكو: نادم على كل شيء، لأني ارتكبت الكثير، الكثير من الأخطاء في كل اتجاهات الحياة. لكن لو أني كنتُ سأبدأ حياتي من جديد، بصراحة سأكرر كل الأخطاء التي ارتكبتها. إني أحدثك بكل جدية، أمضيت عمري أحلل سلوكي وأفكاري، وأضع نفسي تحت المساءلة. إنني قاسٍ بما يتعلق بمحاسبة نفسي، ولن أخبرك ما هو أسوأ انتقاداتي لنفسي، ولا حتى لو عرضتِ عليّ مليون دولار.

الصحفية: هل هناك كتاب لم تكتبه بعد، وتمنيتَ أن تكتبه؟

إيكو: أجل، كتاب واحد فقط. منذ صغري وحتى الخمسين من عمري، كنت أحلم أن أكتب كتابًا عن نظرية الكوميديا. لماذا؟ لأن كل الكتب عن هذا الموضوع كانت مخيبة، على الأقل الكتب التي استطعت قراءتها. فكل أصحاب النظريات حول الكوميديا من فرويد ، إلى بيرغسن، حاولوا شرح جانب واحد من هذه الظاهرة، لكن ليس كل الجوانب. الكوميديا ظاهرة معقدة جدا لدرجة أنه لم توجد نظرية إلى الآن تشرح الكوميديا بشكل متكامل. ففكرّتُ بأن أضع نظرية حقيقية حول الكوميديا. لكن لاحقًا، بدت المهمة صعبة جدا. لو كنت أعرف لماذا كانت صعبة، لكنتُ حصلت على الجواب واستطعت أن أضع نظرية للكوميديا.

الصحفية: لكنك كتبتَ عن الجمال، ومؤخرًا كتبتَ عن القبح. ألا ترى أنه ليس من المستحيل أن تضع نظرية للكوميديا؟

إيكو: بالمقارنة مع الجمال، والقبح، الكوميديا مخيفة. انتبهي، أنا لا أتحدث هنا عن فعل الضحك ذاته. كلا، فهناك شيء مدهش وبشكل عاطفي في الكوميديا، وهو معقّد جدا، لدرجة أنني لا أستطيع الكفّ عن شرحه. وعدم استطاعتي فهم هذا الشيء، يا للحسرة، هو السبب في أنني لم أكتب الكتاب.

الصحفية: هل الكوميديا فعل انساني بشكل خاص، مثلما قلتَ عن الكذب؟

إيكو: أجل بالطبع، بما أن الحيوانات تفتقد لحس الفكاهة. نحن نعلم بأن الحيوانات تميل للعب، والشعور بالشفقة، ونعلم أنها تنتحب، وتعاني. نحن موقنين أيضًا بأنها تكون سعيدة حينما تلاعبنا. لكن ليس لدينا أي دليل علمي أن لديها حس فكاهي. الكوميديا تجربة انسانية بحتة، تجربة تتركب من… كلا، كلا لا أستطيع شرح ذلك.

الصحفية: ولمَ لا؟

إيكو: حسنًا، لدي تلك الشكوك المتعلقة بفكرة: أننا الحيوان الوحيد الذي يدرك بأنه سيموت ويفنى. بينما الحيوانات الأخرى ليس لديها هذا الإدراك بفنائها. إنها تدركه فقط بلحظة وقوعه، لحظة موتها. لكنها غير قادرة أن تفصح عن فكرة مثل: كل شيء فانٍ. بينما نحن نستطيع أن نفصح عن ذلك، وهذا ربما السبب وراء وجود الأديان، والشعائر، وما إلى ذلك. إذ أعتقد بأن الكوميديا هي ردة فعل الإنسانية على جوهر فكرة الخوف من الموت والفناء. لو طلبت مني أن اشرح لك أكثر فلن أستطيع. لكن ربما سأبتكر الآن سرًا مفرّغًا من كل معنى، وأدع الآخرين يظنون بأن لديّ نظرية عن الكوميديا في أعمالي. وحين أرحل عن هذه الحياة، سيقضون جُلَّ أعمارهم يفكرون بحلّ هذا اللغز.

في الحقيقة، ما حدث أنني حين أردت أن أكتب نظرية عن الكوميديا بشكل أكاديمي، وجدتني أكتب رواية اسم الوردة. إنها تلك الحالة التي فيها لا نستطيع أن نضع نظرية بشكل علميّ، عوضًا عن ذلك نسردها روائيًا. وأؤمن بأنني في رواية اسم الوردة وضعت نظريتي حول الكوميديا مجسدة بقالب سرديّ. حيث الكوميديا (في هذه الرواية) تلعب دورًا حاسمًا في القضاء على التعصب. والتعصب مثل ظلّ شكّ شيطاني يلاحق ادعاء كل حقيقة.

* نشرت في آراء. 

8 أبريل,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | إرسال التعليق

أمبرتو إيكو: كل رواية هي سيرة ذاتية

في علم الجمال، السؤال كان، ما العوامل التي تصنع العمل الفني، وكيف العمل الفني يتواصل معنا؟ أصبحتُ مهتمًا في الـ "كيف" هذه. بالإضافة، وبفضل صفاتنا الإنسانية.. لا زال بمقدورنا أن نبتكر اللغة

في علم الجمال، السؤال كان، ما العوامل التي تصنع العمل الفني، وكيف العمل الفني يتواصل معنا؟ أصبحتُ مهتمًا في الـ “كيف” هذه. بالإضافة، وبفضل صفاتنا الإنسانية.. لا زال بمقدورنا أن نبتكر اللغة

أجرى اللقاء Lila Azam Zanganeh لِيلا أزام زانغانيه. (كاتبة من أصل إيراني نشأت ودرست في باريس، حاليًا تسكن وتعمل في نيويورك). ترجمة: رؤوف علوان 

 

في اتصالي الأول بأمبيرتو إيكو، كان يجلس في غرفة مكتبه بمنزله الريفي ذي طراز قصور القرن السابع عشر، عند التلال الواقعة خارج أوربينو Urbino (شمال شرق إيطاليا)، حيث الساحل الإيطالي المطل على البحر الأدرياتيكي. وأخذ يتغنى إيكو بروعة جمال حمام السباحة بمنزله. لكنه، وكما توقعت، قال بأني سأجد صعوبة في الوصول إليه بسبب منعطفات الجبال. فاتفقت مع إيكو أن نلتقي في شقته الكائنة في مدينة ميلانو.

وصلتُ هناك في أغسطس كانت يوم إجازة فيراغوستو Ferragosto قد بدأت (يوم اجازة يوافق 15 اغسطس يذهب فيه الإيطاليون للبحر)، في ذروة وهج الصيف، بيومٍ كانت فيه الكنيسة الكاثوليكية تحتفل في عيد انتقال العذراء Assumption of the Virgin Mary (انتقال جسد وروح مريم العذراء للسماء يصادف 15 أغسطس ويسبقه صوم أربعين يوما). كانت مباني ميلانو الرمادية تتوهج بالحرارة، وطبقة رقيقة من الغبار سكنت على الأرصفة وبالكاد تستطيع سماع صوت محرك سيارة بالقرب.

وفي المبنى حيث يقطن إيكو، دخلت المصعد الذي أعادني قرنًا كاملاً للوراء، سمعتُ صرير باب يُفتح بالطابق العلوي. طالعني خيال إيكو وهو يقف أمام بوابة المصعد الحديدية:”آآه، وأخيرًا…”

كانت شقته عبارة عن متاهة من الممرات عليها رفوف كتب تصل إلى أعلى نقطة من السقف العالي. يقول إيكو، لديه ثلاثون ألف مجلد وهناك عشرون ألف أخرى بمنزله بالريف. وجدتُ دراسات علمية لبطليموس، وروايات كالفينو، ودراسات في النقد حول أعمال فيرديناد دي سوسير (عالم لسانيات)، وجويس. وأقسام كاملة خُصصت لتاريخ العصور الوسطى و arcane manuscripts (المخطوطات الملغّزة). قد بدت مكتبته تنبض بالحياة، بكتبٍ ملامحها تدلّ على كثرة استعمالها؛ إيكو يقرأ بسرعة، ولديه ذاكرة عظيمة.

في غرفة مكتبه، هناك متاهة أخرى من الأرفف تحوي أعمال إيكو بكل ترجماتها (العربية، الفنلندية، اليابانية… بعد أن أحصيت ثلاثين لغة فقدت العدّ). أشار إيكو إلى كتبه بإشارة عاطفية، يريدني أن ألقي نظرة على كل مجلد، منذ كتاباته الأولى حول نظريات النقد، روايته اسم الوردة، ووصولا إلى آخر عمل له عن القبح Ugliness.

بدأ إيكو مهنته كأكاديمي تخصص في دراسات تاريخ العصور الوسطى والسيميائيات (السيميوطيقا: دراسة أنساق الإشارات والدلالات والرموز). ثم في عام 1980، وفي الثامنة والأربعين من عمره، أصدر روايته: اسم الوردة. وقد لاقت نجاحًا عالميًا، بِيعَ منها أكثر من عشرة ملايين نسخة. تحوّل البروفيسور منذئذٍ إلى أديب مشهور، يطارده الصحفيون لِمَا عُرِفَ عنه من آراء يحتدّ بها، ويُحتكم إليه كمرجع لعلمه الغزير. إلى أن أصبح إيكو واحد من أهم كتّاب إيطاليا الأحياء. ومنذ تلك السنين، واصل كتابة المقالات الأكاديمية، وأعماله الأكاديمية، وكتب أربع روايات عُدّت من الأكثر مبيعًا، منها Foucault’s Pendulum (1988) بندول فوكو، ولهب الملكة لوانا الغامض The Mysterious Flame of Queen Loana (2004)

قادتني سمنة بطن إيكو خلال الممر، بخطواته الزاحفة على الأرضية، اتجهنا إلى غرفة المعيشة. حيث بدت من خلال النوافذ قلعة من القرون الوسطى تطل علينا كشبح عملاق من تحت سماء ميلانو. توقعتُ أن أرى الكثير من التحف والأنتيكات الإيطالية بمنزله، لكنني وجدت أثاثًا حديث الطراز، والعديد من الحاويات الزجاجية بداخلها قواقع بحرية وسلسة مجلات مصورة نادرة، وآلة عودٍ قديمة، ومجموعة من الأسطوانات، ولوحة كولاج من فَرَاشِيّ رسم. “هذه، كما ترين، من أعمال آرمان، أهداها خصيصًا لي..”

جلستُ على الأريكة البيضاء الكبيرة، وانزوى إيكو في مقعده المنخفض ذي الذراعين، وبيده سيغار. يقول لي إيكو بأنه اعتاد أن يدخّن أكثر من ستين لفافة تبغ باليوم، لكن الآن لم يعد يشعل سوى هذا السيغار. حينما بدأت بطرح اسئلتي عليه، عينا إيكو بدأتا تضيقان إلى أصبحتا كخطّينِ من السواد، ويفتحهما فجأة عندما يحين الوقت ليعطي الأجوبة.

“لقد اكتشفت أن لديّ شغف بالعصور الوسطى”، يقول إيكو ويتابع: “بالضبط كما تجدين شخصا لديه شغف بجوز الهند”.

في إيطاليا، يُعرف عن إيكو حبه بالتلاعب بالكلمات، وحسّه الفكاهي، ودعاباته التي يلقيها عند كل انعطافة من عباراته الطويلة. بدأت نبرة صوته تعلو تدريجيًا وهو يتحدث. ثم بدأ يشير إلى عدد من النقاط المهمة، كبروفيسور في محاضرة:

“أولاً: حين كتبتُ رواية اسم الوردة، لم أكن أعلم – وبالطبع لم يكن أحد يعلم – عمّا كتبه أرسطو في كتاب فن الشعر عن الكوميديا. ولكن بشكل ما، خلال مراحل كتابتي للرواية، اكتشفت ذلك الفصل بكتاب أرسطو. ثانيًا: المحقق في الرواية يسأل سؤالاً فلسفيًا مهمًا: “من الذي ارتكب الجريمة؟ “.. لكن حين انتبه إيكو لقدراته الحوارية الذكية، سارع بتقدير مهارته الأكاديمية وتابع يقول: “جيد، جيد، سأضيف ذلك أيضًا…”

بعد ساعتين من الجلسة الحوارية الأولى، جاءنا ماريو آندريوسي مدير دار نشر بومبياني، ناشر أعمال إيكو، وأخذنا لتناول وجبة العشاء. زوجة إيكو، ريناتي راماج Renate Ramage، في الخامسة والأربعين من العمر، جلسَتْ بالمقعد الأمامي بجانب أندريوسي، وجلسنا أنا وإيكو في المقعد الخلفي. إيكو الذي كان قبل دقائق مفعمًا بالحيوية والمزاح، بدا الآن صامتًا متحفظًا. لكن منذ دخلنا إلى المطعم بدا إيكو في مزاج أفضل، وبدأت سلال الخبز تُقدّم لنا، نظر إيكو إلى قائمة الطعام، في حيرة، وحين جاء النادل، طلب إيكو على عجالة طبق كالزوني (أو ساندويتش البيتزا) وكأسًا من الخمر. وقال “أعلم، أعلم، إنها مضرة إنها مضرة..”

اقترب أحد المعجبين من طاولتنا، “هل أنتَ أمبرتو إيكو؟” رفع البروفيسور حاجبيه، وابتسم إليه وصافحه. ثم، وأخيرًا، بدأنا نواصل الحديث، انطلق إيكو بالحديث عن البابا بينيديكت السادس عشرPope Benedict XVI ، وسقوط الإمبراطورية الفارسية، وعن آخر أفلام جيمس بوند. “هل تعلمون؟” قال ذلك بينما هو يغرس شوكته في الكالزوني، “إنني ذات مرة كتبت تحليلاً عن نسق حبكات آيان فليمينغ؟” (مؤلف سلسلة روايات جيمس بوند).

الصحفية: 
أين وُلدتَ؟

إيكو:
وُلِدْتُ في مدينة أليساندريا، التي اشتهرت بصناعة قبعات بورسالينو Borsalino.

الصحفية:
أخبرني عن عائلتك التي نشأت فيها؟

إيكو:
كان أبي يعمل محاسبًا، وكان جدّي يعمل منضد حروف الطباعة. أبي هو الابن الأكبر في عائلة مكونة من ثلاثة عشر طفلًا. وأنا أكبر أخوتي كذلك، وكذلك ابني أيضًا أكبر أخوته، وأيضًا أول حفيد لي ولد. لذا، لو وجد أحدهم بالصدفة بأن عائلتي تنحدر من سلالة امبراطورٍ بيزنطي، فهذا سيجعل من حفيدي وليّ العهد حسب ترتيب المُلْك لديهم.

كان لجدِّي تأثيرا كبيرا على حياتي، رغم أنني لم أكن أزوره كثيرًا، لأنه كان يسكن على بعد ثلاثة أميال من مدينتنا، بالإضافة أنه توفيّ حينما كنتُ في السادسة من عمري. كان كل شيء في العالم يثير فضول جدّي، وقد كان يقرأ الكثير من الكتب. الأمر الرائع أنه حينما تقاعد، بدأ يعمل في تغليف الكتب وتنضيدها. فكان لديه الكثير من الكتب بلا أغلفة، ملقيّةً هنا وهناك بكل ركن من شقته، كتب قديمة، كتبٌ مصوّرةٌ جميلة، وطبعات شهيرة تعود للقرن التاسع عشر روايات لـ تيوفيل غوتييه وألكساندر دوما. كانت تلك أول مرة في حياتي أشاهد فيها كتابا. وحين توفيّ جدّي في العام 1938، لم يأتِ الكثير من أصحاب تلك الكتب غير المغلفة ليطالبوا بها، فاضطّرتْ عائلتي لأن تضع كل هذه الكتب في صندوق كبير. وبالصدفة البحتة، حلّ هذا الصندوق الكبير في قبو منزلنا. ولأن والديّ كانا يطلبان مني النزول إلى القبو من وقت لآخر، لأحضر بعض الفحم أو زجاجة نبيذ، في أحد تلك الأيام فتحتُ ذلك الصندوق ووجدتني أمام كنزٍ ثمين من الكتب. منذ ذلك الحين بت أنزل القبو بشكل متكرر. واكتشفت أن أبي كان يجمع أعداد من مجلة رائعة: (مجلة الرحلات والمغامرات البرية والبحرية المصورة)، وهي مخصصة للقصص الغريبة التي تدور في براري متوحشة في بلدانٍ بعيدة مدهشة. كانت تلك أول وأعظم غزواتي في عالم القصص. لكن لسوء الحظ، مع مرور الوقت، فقدتُ كل هذه الكتب والمجلات، ولا زلت منذ عقود طويلة أحاول اقتناء نسخًا منها من المكتبات القديمة، وأسواق السلع المستعملة.

الصحفية:
إن كنتَ لم ترَ كتبًا إلا عند جدّك، فهل هذا يعني أن والديك لم يمتلكا كتب؟

إيكو:
يبدو الأمر غريبًا، بالرغم من أن أبي كان يقرأ بجدية في فترة شبابه. ولكن لأن عائلته كانت تعيل ثلاثة عشر طفلاً، فمن الصعوبة أن يقتني أبي الكتب. إذ كان أبي يذهب لأكشاك باعة الكتب ويقف ليقرأها بالشارع. وحين كان بائع الكتب يتضايق من وقوف أبي هكذا دون أن يشتري شيئًا، كان يذهب للكشك التالي ويتابع قراءة نفس الكتاب، وهلم جرّا. تلك ذكريات لا يمكنني نسيانها، وأعني الإصرار على ملاحقة الكتب. أمّا في منزلنا، فلم يكن هناك سوى القليل من الروايات. لكنها لم تكن على رفّ، بل في خزانة مقفلة. وأحيانًا كنت أجد أبي يقرأ روايات استعارها من اصدقائه.

الصحفية:
ما كان رأي والدك حين اصبحت أكاديميًا في سن مبكرة؟

إيكو:
في الحقيقة، أبي توفي مبكرًا، ذاك في العام 1962، لكن ليس قبل أن أصدر بعض الكتب. كانت كتبًا أكاديمية صِرفة، أظن أبي لم يفهمها، لكني اكتشفت في ذلك المساء أنه حاول قراءتها فعلاً. كتابي الأثر المفتوحThe Open Work نُشرَ قبل وفاة أبي بثلاثة أشهر، وقد كتب الشاعر الإيطالي العظيم أوجينيو مونتاليEugenio Montale نقدًا عن الكتاب في صحيفة (مراسل المساء) . كانت مقالته مثيرة للفضول، حميمة، وبذيئة في وقت واحد، لكن كفى أن مونتالي هو من كتبها، وأعتقد لا شيء سيُرضي أبي أكثر من أن مونتالي يكتب عني. بشكل ما لقد أدّيت واجبي، ففي النهاية أشعر أنني حققت ما يتمناه أبي، رغم أنني أعتقد أن رواياتي كانت ستبهجه أكثر.

بينما أمي عاشت عشر سنين بعد أبي، فهي كانت تعلم بأنني كتبت العديد من الكتب الأخرى، وأنني دُعيت لإلقاء محاضرات في جامعات خارج إيطاليا. رغم أنني لستُ متأكدًا من أنها تعي ما يدور حولها بسبب مرضها، إلا أنها كانت سعيدة من أجلي. وأنتِ تعلمين، كيف تفخر الأم بابنها، حتى وإن كان ابنها أحمقًا تمامًا.

الصحفية:
كنتَ طِفلاً حين انتشرت الفاشية واندلعت الحرب، كيف كانت تلك الفترة بالنسبة إليك؟

إيكو:
كانت تلك أوقاتًا جدُّ غريبة. كان موسوليني شخصية كاريزمية فاتنة. وكبقية أطفال المدارس حينذاك، انتميت لحركة الشبيبة الفاشية. وكان لزامًا علينا أن نرتدي زيًا عسكريًا موحدًا، وحضور التجمعات الحزبية كل سبت، كنا نشعر بالسعادة حين نقوم بذلك. أما اليوم، فالأمر أشبه بأن تجعل طفلاً أميركيًا يرتدي زيّ جندي في القوات البحرية. سيبدو الأمر مسليًا بالنسبة لطفل. ولكن كأطفال بذلك الوقت، كنا نمارس كل ذلك بعفوية، وبدا هذا شيء طبيعي بالنسبة إلينا، كالثلج في الشتاء، والحرارة في الصيف. حتى أنني لا زلت أتذكر الغارات والقصف، وتلك الليالي الحميمية التي كنا نقضيها في الملجأ. بعد ذلك حين انتهى كل شيء في العام 1943، ومع الهزيمة الأولى للفاشية، وجدت في صحف الديموقراطيين آراءً جديدة وأحزاب سياسية أخرى. ولكي نهرب من القصف الذي بدأ من سبتمبر 1943 إلى إبريل 1945 – أكثر السنين دمارًا على بلادنا- اتجهنا أنا وأمي وأختي إلى الريف لنسكن في مونفيراتو، قرية في إقليم بييومنتي بشمال إيطاليا. حيث تمركزت المقاومة.

الصحفية:
وهل رأيت أيًا من تلك المعارك؟

إيكو:
أتذكر تبادل إطلاق النار بين الفاشيين وحركة المقاومة، وكيف كنت أتمنى لو أشارك في الاشتباكات. وأتذكر أيضًا، أن رصاصة كادت تقتلني، وكيف رميتُ بنفسي من الشرفة على الأرض متفاديًا إياها، ونجوت. بعد ذلك، ومن قريتنا التي نقيم فيها، أتذكر كل أسبوع كيف كانت أليساندريا تُقصف، حيث كان ما زال أبي يعمل. كانت السماء تنفجر كبرتقالة، وخطوط الهاتف الأرضية تتعطل. لذا كنا ننتظر عودة أبي في نهاية الأسبوع لنتأكد بأنه لا يزال على قيد الحياة. خلال تلك الفترة، كان على أي شاب يسكن الريف أن يتعلم كيف ينجو من الموت.

الصحفية:
هل كان للحرب أثر على قرارك بأن تكتب؟

إيكو:
كلا، ليس هناك علاقة. لأني بدأت الكتابة قبل الحرب، وبشكل مستقل عن الحرب. ففي فترة مراهقتي كنت أصنع مجلات مصورة أبتكرها من خيالي، لقد كنت أقرأ الكثير منها. وأكتب روايات خيالية تدور أحداثها في ماليزيا ومجاهل أفريقيا. كنت مهووسًا بأن تكون كتبي مصورةً ومتكاملة بكل تفاصيلها، كي تبدو كما الكتب الحقيقية. فقد كنت أكتبها بأحرف كبيرة، وأبتكر عناوين للصفحات، وملخصات، ورسومات توضيحية. كان الأمر منهكًا، لدرجة أنني لم أتمّ أيًا منها. كنت أعظم كاتب للكتب غير المنجزة بلا فخر. في كل حال، من الواضح أنني منذ بدأت كتابة الروايات، باتت ذكرياتي عن الحرب تلعب دورًا مهمًا في الأحداث. وأظن كل شخص منا تستحوذ عليه ذكريات الطفولة.

الصحفية:
هل عرضت تلك الكتب – غير المنجزة – على أحد؟

إيكو:
من المحتمل أن والديّ اطلعا على ما كنت أفعله. لكني لا أتذكر أني أعطيت أحدًا آخر تلك الكتب. وهذه أحد عيوب أن يحيا المرء في عزلة.

الصحفية:
لقد تحدثتَ من قبل عن محاولاتك في كتابة الشِّعر بتلك الفترة، ففي مقالة لك عن الكتابة قلتَ:” إنّ أشعاري لها الوظيفة نفسها والشكل نفسه لبثور الشباب”!

إيكو:
أعتقد بأنني كتبت الشعر في سن الخامسة عشر أو السادسة عشر، حينها بدا الشِّعرُ كالاستمناء. لكن الشعراء الحقيقيين حينما يتقدمون في العمر يحرقون قصائدهم المبكرة، والشعراء السيئون ينشرونها. ولله الحمد، تخليت عن الأشعار في سن مبكرة.

الصحفية:
من الذي شجّعك في بداياتك مع الكتابة؟

إيكو:
جدّتي، لأنها كانت قارئة نهمة. لم تتم الصف الخامس من الدراسة لكنها كانت عضوًا في المكتبة العامة، فكانت تأتي بكتابين أو ثلاثة كل أسبوع من أجلي. أحيانًا أحصل على رواية رخيصة، وأحيانًا أخرى رواية لبلزاك. لم يكن هناك فرق كبير بالنسبة لجدتي، فجميع الكتّاب عندها مدهشين.

بينما أمي، من الجهة الأخرى، كانت قد درست الكتابة باللمس (الكتابة دون النظر إلى الأحرف في مفاتيح الطابعة). تعلّمَتْ اللغة الفرنسية، والألمانية، ورغم أنها كانت تقرأ الكثير في شبابها، لكنها لاحقًا، كلما تقدم بها العمر، بدت تميل للروايات الرومانسية أكثر، والمجلات النسائية. وأنا لم أكن أقرأ ما كانت تقرأه أمي. لكنها كانت تتحدث الإيطالية بنبرة عذبة، ولديها أسلوب جميل بالكتابة، جعل كل معارفها يلجؤون إليها لتكتب رسائلهم. رغم أنها تركت المدرسة في سن مبكرة، لكنني لازلت أذكر إحساسها الجميل تجاه اللغة والمفردات، وأعتقد بأنني ورثت الكتابة عنها بشكل ما.

بطريقة ما، أعتبر كل رواية هي سيرة ذاتية. حينما نبتكر شخصية روائية، فنحن بشكل ما نسبغ عليها بعض من حياتنا الخاصة.

بطريقة ما، أعتبر كل رواية هي سيرة ذاتية. حينما نبتكر شخصية روائية، فنحن بشكل ما نسبغ عليها بعض من حياتنا الخاصة.

الصحفية:
إلى أي مدى تعتبر رواياتك هي سيرتك الذاتية؟

إيكو:
بطريقة ما، أعتبر كل رواية هي سيرة ذاتية. حينما نبتكر شخصية روائية، فنحن بشكل ما نسبغ عليها بعض من حياتنا الخاصة. فنعطي هذه الشخصية جزء منا، ونعطي تلك جزء آخر منا. بهذا لا أراني أكتب سيرتي الذاتية بشكل مباشر، لكن سيرتي الذاتية تصبح مضمّنة في الراوية. وهناك فرق.

الصحفية:
هل هناك أحداث من حياتك كتبتها بشكل مباشر في إحدى رواياتك؟ وأعني حين أفكر في شخصية Belbo الذي يعزف الترومبيت في المقبرة في رواية بندول فوكو.

إيكو:
ذلك المشهد بالتحديد جزء من سيرتي الذاتية. لكنني لست Belbo. هذا الموقف حدث لي وكان من الأهمية أنه يُظهر جزءًا مني لم أكشف عنه من قبل. منذ ثلاثة شهور مضت، ابتعت آلة ترومبيت حسنة الجودة بما يقارب ألفي دولار. فقط لأعزف عليها، على المرء أن يدرّب شفتيه على هذه الآلة لمدة طويلة. أتذكر حينما كنت في الثالثة عشر أو الرابعة عشر من عمري كنت أعزف بمهارة على الترومبيت، لكني الآن فقدت المهارة، إذ أصبحت أعزف بشكل سيء جدًا. رغم ذلك لا زلت أستمر بالعزف يوميًا. والسبب في هذا أنني أريد العودة لطفولتي. آلة الترومبيت بالنسبة لي تمثل المرحلة التي كنت فيها شابًا. لا أميل كثيرًا لآلة الكمان، لكني حين أنظر للترومبيت أشعر بعالم من الإثارة يتدفق في دمي.

الصحفية:
هل تستطيع أن تعزف تلك الألحان التي كنت تعزفها بأيام شبابك؟

إيكو:
كلما عزفت أكثر، كلما تذكرت تلك الألحان. بكل تأكيد هناك تلك النغمات العالية، إنها صعبة جدًا. أحاول أتدرّب على عزفها مرات عديدة، وأقول أحاول. لكن فيما يبدو أن شفَتَيّ لا تعملان بالطريقة الصحيحة في عزف تلك النغمات.

الصحفية:
هل الشيء نفسه يحدث لذاكرتك؟

إيكو:
الأمر وإن بدا غريبًا، لكني كلما طعنت بالسن، كلما أراني أتذكر أكثر. سأعطيكِ مثال على ذلك: اللهجة التي كنت أتكلم بها هي لهجة الإليساندرينو. لهجة جبال البييومينتي المهجنة تمازجها نبرات ليومباردية، وإيميليانية، ومن جينوا. لم أكن أتكلم تلك اللهجات لأن عائلتي كانت تنحدر من سلالة برجوازية صغيرة، وكان أبي يعتقد بأن أختي وأنا لابد نتكلم الإيطالية فقط. لكن بنفس الوقت، والديّ كانا يتكلمان فيما بينهما باللهجات التي يعرفانها. كنت أفهم اللهجة التي يتحدثان بها جيدًا، لكنني كنت أعجز أن أتكلمها. بعد مضيّ نصف قرن، فجأة وبلا مقدمات بت أتكلم الإليساندرينو بطلاقة، لا أعلم جاءتني من اللاوعي أم من معدتي، ذاك حين كنت ألتقي بأصدقاء طفولتي من أليساندريا، كنت أكلمهم بها!

مع مرور الوقت، اتضح بأنني لست قادرًا فقط على استعادة أشياء نسيتها، بل وأشياء كنت متأكدًا أنني لم أتعلمها.

الصحفية:
لماذا قررت دراسة جماليات (علم جمال) العصور الوسطى؟

إيكو:
كان تعليمي كاثوليكيًا. وخلال فترة دراستي الجامعية، تعرفت على تنظيم طلبة الكاثوليك الوطنية. وكنت معجبًا في أفكار العصور الوسطى والفترة المبكرة من المسيحية. فقدمت أطروحة عن علم الجمال لدى توما الأكويني، لكن قبل ذلك كان إيماني قد تزعزع. كانت تلك الأيام فترة اضطرابات سياسية. حيث وجدتني أميل أكثر للجانب الطليعي من المنظمة الطلابية مهتمًّا أكثر في المشاكل الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية. وكان حزب اليمين مدعومًا من البابا بيوس الثاني عشر. وفي يومٍ ما تلقّى الجناح الذي أنتمي إليه في المنظمة الطلابية اتهامًا بأننا مهرطقين وشيوعيين. حتى أن صحيفة الفاتيكان الرسمية هاجمتنا. هذا الموقف أطلق العديد من الأسئلة الفلسفية برأسي وجعلني أعيد النظر في إيماني. لكن دراستي للعصور الوسطى وفلسفتها لم تتأثر بذلك. ولا داعي للذكر بأني تابعت دراسة توما الأكويني المحبب لقلبي.

الصحفية:
في خاتمة روايتك اسم الوردة، كتبتَ “أرى الحقبة بكل مكان، وتشمل بوضوح اهتماماتي اليومية، التي لا تبدو قروسطية، لكنها كذلك..” كيف تبدو اهتماماتك القروسطية؟

إيكو:
طوال حياتي كلها انغمست في دراسة تلك الحقبة. على سبيل المثال، ولتحضير أطروحتي، ذهبت مرتين في رحلات دامت شهورًا إلى باريس، للبحث في المكتبة الوطنية هناك. فقررت في تلك الرحلات، أن أعيش في القرون الوسطى، ذاك لو أنك قلّصت خريطة باريس، واخترت شارعًا واحدًا. حينها سيبدو الأمر وكأنك تعيش في القرون الوسطى. وثم تبدأ بالتصرف والتفكير كرجل يعود لتلك الحقبة. على سبيل المثال، أتذكر أن زوجتي التي تعرف كل شيء عن النباتات والزهور في العالم. كانت تتقرّب مني في فترة كتابتي اسم الوردة لأني لا أهتم كثيرًا بالطبيعة. كنت وإياها في الريف ذات مرة، وقد أشعلنا نارًا، فصاحت زوجتي لي، انظر إلى لهب النار يتطاير عاليًا حولنا بين الأشجار. بالطبع لم أعر المنظر أيّ اهتمام. لاحقًا، حينما قرأتْ زوجتي آخر فصل من رواية اسم الوردة، حيث أصف منظرًا مشابهًا، قالت لي، إذن رأيتَ اللهب يتطاير! فقلت لها، كلا، لكنني أعرف كيف راهب من القرون الوسطى سيتأمل المنظر.

الصحفية:
هل تظن أنك كنت ستستمتع لو عشتَ في القرون الوسطى؟

إيكو:
حسنًا، لو كنت عشتُ بتلك الحقبة وبعمري هذا الآن، لكنت ميتًا قبل أن أبلغ هذه السنّ. أشكّ أنني لو عشت في القرون الوسطى بأن مشاعري عن تلك الفترة ستكون مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن. لذا أفضّل أن أتخيل بدلاً من أن أعيش فيها حقيقة.

الصحفية:
بالنسبة لفرد عادي يعيش في تلك الحقبة كانت تحيط به أجواء الغموض والعزلة. ما الذي أعجبك بهذا؟

إيكو:
من الصعب أن أشرح لك ذلك. لكن، لماذا نقع في الحب؟ لو اضطررت للشرح لكنتُ قلتُ بأن تلك الفترة هي كل شيء يتخيله الناس عنها الآن. فبالنسبة لي، لم تكن تلك الحقبة عصور ظلام. بل كانت عصور النور. وأنها الفترة التي عمِلَتْ على تكوين تربة خصبةٍ مهّدت لربيع عصر النهضة لاحقًا. حقبةٌ من الفوضى وحماسة الانتقال من العصر القديم إلى العصر الجديد، منها جاء ميلاد المدينة الحديثة، ونظام المصارف، والجامعة، وميلاد فكرتنا المعاصرة عن أوربا بلغاتها وشعوبها وثقافاتها.

الصحفية:
في كتبك تقول بأنك لا تضع تمييزًا بين القرون الوسطى والعصر الحديث، لكن هذا فيما يبدو جزء من اعجابك بتلك الحقبة.

إيكو:
بالتأكيد، لكن المرء يجب أن يكون حذرًا جدًا في المقارنات. ذات مرة كتبت مقالة قارنت فيها بين العصور الوسطى وعصرنا. لكن لو أعطيتِني خمسين دولارًا، سأكتب لكِ مقالة أقارن فيها بين زمننا المعاصر وبين انسان النيانديرتال (جنس من الانسان الأول استوطن أوربا واجزاء من آسيا وانقرض لاحقًا). من السهل جدًا أن نجد أفكارًا نقارنها ببعض، رغم ذلك أعتقد بأن الاهتمام بالتاريخ، أن تقيم مقارنات أكاديمية مع أزمنتنا المعاصرة. اعترف بأنني شخص “دقة قديمة” بشكل بشع، لكني لا زلت أؤمن كما قال Cicero (سيسرو): التاريخ أفضل معلم في الحياة.

الصحفية:
في بدايات دراساتك الأكاديمية كشاب لماذا اتجهت فجأة لدراسة اللغات؟

إيكو:
حسبما أتذكر، كنتُ مهتمًا في تفسير وسائل الاتصال. في علم الجمال، السؤال كان، ما العوامل التي تصنع العمل الفني، وكيف العمل الفني يتواصل معنا؟ أصبحتُ مهتمًا في الـ “كيف” هذه. بالإضافة، وبفضل صفاتنا الإنسانية.. لا زال بمقدورنا أن نبتكر اللغة. وكما اتضح لي، بعدما أنهيت أطروحة أثناء عملي في التلفزيون الإيطالي. وذاك في العام 1954، أي بعد شهور قليلة فقط من أول بث تلفزيوني. كان ذلك بداية عصر وسائل الاتصال المرئية في إيطاليا. فبدأتُ أتساءل، إن كنت أعاني من انفصام غريب في شخصيتي. إذ فمن ناحية، أراني مهتمًا بالفن والأدب التجريبي، ومن ناحية أخرى لديّ ذلك الشغف بالتلفاز، والقصص المصورة، وروايات المحققين والجريمة. بطبيعة الحال، تساءلتُ، هل هناك احتمال أن تكون اهتماماتي مرتبطة ببعضها وليست متنافرة؟

فاتجهت لدراسة السيميائيات لأني كنت أريد توحيد كل مستويات اختلاف الثقافة. واتضح لي أنّ أيّ شيء تبثه وسائل الاتصال بالإمكان أن نضعه تحت مجهر التحليل الأكاديمي.

الصحفية:
قلتَ ذات مرة أن السيميائيات هي نظرية الكذب.

إيكو:
بدلاً من كلمة “كذب”، كان يجب أن أقول “كل ما هو عكس الحقيقة”. باستطاعة الإنسان أن يسرد حكاية خيالية، ويتخيل عوالم جديدة، ويرتكب الأخطاء، وأيضًا يستطيع الكذب. اللغة تشمل كل ما فات.

الكذب صفة يختص بها الإنسان وحده. فالكلب الذي يسير مدفوعًا بأثر رائحة. لا يمكن أن يكذب، ولا الرائحة بإمكانها أن تكذب كذلك. لكن بإمكاني أن أكذب عليك وأخبرك أن تذهب بهذا الاتجاه أو الطريق، والذي هو ليس الطريق الذي سألت عنه، رغم ذلك ستصدقني وستسلك الطريق الخاطئ الذي أشرت لك عليه. أما سبب ذلك فيعود لكوننا نعتمد على الدلالات.

الصحفية:
بعض أعداء السيميائيات كمجال للدراسة، يضمنّون أن المتخصصين في هذا العلم يتسببون في إلغاء كل الواقع.

إيكو:
هذا موقف اصحاب المذهب المدعو بـ”التفكيكية”. إذ ليس فقط أن أصحاب هذا المذهب يفترضون كل شيء عبارة عن نصّ – بما ذلك الطاولة التي نجلس عليها الآن – وأن كل نصّ بالإمكان تفسيره بتفسيرات لا متناهية. لكن أصحاب هذا الاتجاه أيضًا يتبعون فكرة جاء بها نيتشه، والتي تقول بأنه ليس هناك حقائق بل مجرد تأويلات. على العكس من هذه الفكرة، أتبعُ تشالز ساندرز بيرس، الذي كان بلا شك أعظم فيلسوف أمريكي وهو من أسس السيميائيات ونظرية التأويل. فهو من يقول بأننا نفسر الحقائق عبر الدلالات. إن لم تكن هناك حقائق، وفقط تأويلات، فماذا سيتبقى لنفسره؟ هذا ما ناقشته في كتابي (حدود التأويل).

الصحفية:
في كتابك بندول فوكو كتبتَ “كلما كان الرمز غامضًا ومبهمًا، تزداد أهميته وقوته.”

إيكو:
السر يكتسب قوته حين لا يحتوي على معنى. الكثير من الناس يأتون على ذكر “أسرار الماسونية”. بحق الله ما هي أسرار الماسونية تلك؟! لا أحد لديه الجواب. ما دام السر يبقى فارغًا من معنى ودلالة، فبالإمكان أن نملأه بكل الاحتمالات والتخمينات، ومنها يكتسي هذه الهالة من الغموض.

الصحفية:
هل بإمكاننا القول بأن عملكَ كمتخصص في السيميائيات، غير مرتبط تمامًا بعملك كروائي؟

إيكو:
يبدو الأمر مدهشًا، فأنا لا أفكر أبدًا في تخصصي في السيميائيات حين أكتب رواياتي. فبعد أن أنهي رواية أترك الآخرين يتممّون العمل المتبقي. ودائمًا أندهش من محصلة النتيجة النهائية بعد أن تطبع الرواية.

الصحفية:
هل لا زلت تشاهد التلفاز بكثرة؟

إيكو:
أشكّ أن ليس هناك أكاديمي واحد لا يحب مشاهدة التلفاز. سوى أنني الوحيد الذي يعترف بذلك. وإني أستعين بالمواد المتلفزة كمادة لعملي. لكنني لست من النوع الذي يشاهد التلفاز بنهم، فليست كل البرامج تجعلني استمتع. أحب المسلسلات الدرامية، وأكره البرامج الحوارية السخيفة.

الصحفية:
لكن هل هناك أيّ برامج تحبها؟

إيكو:
المسلسلات البوليسية، ستاركي وهاتش Starky & Huthch، على سبيل المثال.

الصحفية:
هذا المسلسل ما عاد يعرض الآن. إنه يعود لفترة السبعينيات.

إيكو:
أعلم ذلك. لكن أخبروني أن جميع حلقات المسلسل باتت متوفرة على اقراص الفيديو المدمجة، وإني أفكر أقتني المجموعة كلها. عدا ذلك فهناك: CSI Miami، Miami Vice، ER، وأحبهم إلى قلبي Columbo.

الصحفية:
هل قرأت رواية شيفرة دافنشي؟

إيكو:
أجل، ولا أظنني مذنب بهذا أيضًا.

الصحفية:
رواية شيفرة دافنشي تبدو قريبة من أجواء روايتك بندول فوكو.

إيكو:
دان براون يبدو وكأنه شخصية من روايتي: بندول فوكو! أنا ابتكرته. دان براون يتقاسم الكثير من الفضول مع شخصياتي عن عالم نظرية المؤامرة والمنظمات السرية مثل الصليب الوردي Rosicrucian’s، الماسونية، واليسوعيين Jesuits. وفرسان الهيكل Knight Templar. والأسرارالهرمسية Hermetic Secrets (كتاب منحول ينسب إلى هرمس رسول الآلهة عند الإغريق). ومبدأ أن كل شيء متصل ببعضه البعض. بل أنني أتشكك بأن دان براون نفسه موجود!

الصحفية:
فكرة أن تأخذ فرضيّة خيالية بجدية، يبدو واضحًا في الكثير من رواياتك. حتى الخيال يستمد مادته من الحقيقة والواقع.

إيكو:
أجل، بإمكان الخيال أن يخلق الواقع. (باودولينو)، روايتي الرابعة، تتحدث عن هذه النقطة بالذات. باودولينو شخص مخادع يعيش في بلاط فريدريك بارباروسا، الإمبراطور الروماني المقدس. وهذا الصبي باودولينو يبتكر أشياء كثيرة من خياله، من أسطورة الكأس المقدسة، إلى شرعية حكم بارباروسا على يد قضاة بولونيا. وبسبب ما يفعله فهو يجلب على نفسه العواقب الوخيمة. لأن الخداع والزيف بإمكانه أن يولّد أحداثًا تاريخية حقيقية. مثل تلك الرسالة من بريستر جون: كانت رسالة مزورة – وفي روايتي لم يكتبها أحد إلا باودلينو نفسه- لكنها رسالة شجعت على رحلات اكشاف آسيا في العصور الوسطى، لأنه في الرسالة المذكورة، كان هناك وصف لمملكة مسيحية رائعة في بداية نشوئها في مكان ما من الشرق الغامض.

لنأخذ كريستوفر كولومبوس الذي كان ينظر لكروية الأرض بشكل خاطئ. فهو كان يعلم جيدًا، كما كان أعداؤه جميعهم يدركون بأن الأرض كروية. لكن كولومبوس كان يعتقد بأن الأرض أصغر حجمًا. باندفاعه خلف هذه الفكرة الخاطئة، اكتشف قارة أمريكا. ومثال آخر مشهور: بروتكولات حكماء صهيون. إنها مزيفة، لكن هذه البروتوكولات أسست ودعّمت فكر الحزب النازي، وبشكل ما دفعت إلى محرقة اليهود. لأن هتلر استعان بوثيقة البروتوكولات ليبرّر بها إبادة اليهود. ربما كان يعلم أنها وثيقة مزيفة، لكن في قرارة نفسه، الوثيقة وصفت اليهود كما هو يريد أن يصفهم. ولهذا اعتبرها وثيقة حقيقية.

بإمكان الخيال أن يخلق الواقع

بإمكان الخيال أن يخلق الواقع

الصحفية:
شخصية باودلينو تصرّح في نهاية الرواية بأن “مملكة المسيح حقيقية لأنني ومن معي قضينا ثلثي أعمارنا نبحث عنها.”

إيكو:
باودلينو مزوّر وثائق، مبتكر مدن طوباوية، يشيد خطط خيالية عن المستقبل. أكاذيبه تحولت إلى حقيقة منذ أن انطلق أصدقاؤه بكل سعادة فعليًا في رحلة إلى الشرق الساحر. لكن هذا فقط جانب واحد من السرد. بينما الجانب الآخر الذي بإمكاننا أن نستخدمه كحقائق، أنه في إطار الرواية ككل، يبدو الأمر لا يصدق ومجرد خيال محض. في رواياتي، استعنت بالكثير من القصص الحقيقية، والمواقف الحقيقية، لأنني أجدها أكثر رومانسية، أو لنقُل روائيةً أكثر من كل شيء قرأته وينتمي لجنس الأدب. على سبيل المثال في رواية (جزيرة اليوم السابق)، هناك ذلك المشهد حيث الأب كاسبار يصنع مرصادًا غريبا ليرصد أقمار كوكب المشتري، هذا الابتكار تحول لكوميديا. لأن هذا الاختراع، قد وصفه غاليليو في رسائله، وكل ما فعلته ببساطة أنني تخيلت ماذا لو أنّ اختراع غاليليو تم صنعه بالفعل. لكن قرّائي أخذوا كل هذا كاختراع مضحك.

الصحفية:
ما الذي يدفعك لكتابة روايات مبنية على أحداث تاريخية؟

إيكو:
الرواية التاريخية ليست مجرد رواية متخيلة لأحداث حقيقية، إنما رواية تساعدنا على فهم حقيقة التاريخ. بالنسبة لي أحب أن أزاوج بين الرواية التاريخية وعناصر أخرى من نوع رواية: Bildungsroman (روايات تعالج الشخصية الرئيسية منذ نشأتها مرورًا بالتطورات المهمة التي أدت لنضوجها فكريًا). في كل رواياتي، هناك دائمًا شخصية تنضج وتتعلم وتتألم خلال مرورها بالعديد من تجارب الحياة.

الصحفية:
لمْ تبدأ الكتابة الروائية إلا حين بلوغك الثامنة والأربعين، لماذا؟

إيكو:
كتاباتي الروائية لم تكن قفزة مفاجئة كما يظن الكثير، لأنني حتى وفي رسالة الدكتوراه، أو في النظريات التي أقدّمها، كنت أكتب ما يشبه السرد الروائي. فكّرت كثيرًا حول ما يكتبه الفلاسفة في كتبهم، وجدت في أساس كتاباتهم إنما يسردون قصة بحثهم، مثلما بالضبط حين يشرح العلماء كيف تمكنوا من التوصل إلى اكتشافاتهم المهمة. أظن أنني (في كتاباتي الأكاديمية) كنت أسرد القصص طوال الوقت، سوى أنني كنت أسردها بطريقة مختلفة قليلاً.

الصحفية:
لكن ما الذي دفعك لكتابة رواية؟

إيكو:
في يوم ما من عام 1978، صديقة لي قالت بأنها تريد أن تشرف على طباعة سلسلة من الروايات البوليسية يكتبها كتّاب هواة. قلت لها من المستحيل أن أكتب رواية بوليسية، لكن لو كتبتُ واحدة، فستكون من خمسمئة صفحة وشخصياتها رهبان من العصور الوسطى. في ذلك اليوم، وبينما كنت عائدًا إلى المنزل، بدأت بتدوين قائمة بأسماء وهمية لرهبان. لاحقًا، قفزت بذهني صورة راهب مسموم. كل شيء بدأ من تلك اللحظة، من تلك الصورة الوحيدة. بعدها أصبح الأمر ضرورة ملحّة.

الصحفية:
تعتمد الكثير من رواياتك على مفاهيم ذكية. هل هذا شيء طبيعي لتربط بين ما هو أكاديميّ وما هو روائيّ في كتاباتك؟ فأنتَ قلت ذات مرة “الأشياء التي نعجز عن التنظير لها أكاديميًا، يجب أن نسردها في رواية”.

إيكو:
هذه مزحة ألمّح فيها لجملة قالها Wittgenstein (لودفيغ فتغنيشتاين فيلسوف نمساوي). الحقيقة هي، كتبت الكثير من المقالات في السيميائيات، لكن أظنني عبّرتُ عن أفكاري بشكل أوضح في رواية بندول فوكو أكثر مما فعلته في مقالاتي الأكاديمية. كل فكرةٍ مهما بدت أصيلة، تأكد بأن أرسطو توصل لها قبل منك. لكن كتابة رواية حول تلك الفكرة ستجعلها تبدو أصيلة ومبتكرة. (مثلاً) الرجال يحبون النساء، هذه ليست بفكرة أصيلة، لكن، لو استطعت بشكل ما أن تكتب رواية رائعة عن هذا المعنى، حينها بخدعة أدبية ساحرة ستتحول إلى فكرة مبتكرة. في نهاية الأمر، وبكل بساطة أؤمن أن القصة أكثر ثراءً – لأنها فكرة يعاد تشكيلها إلى حدث، تحكيه شخصيات القصة، ويُسرد بلغة محبوكة. لذا بطبيعة الحال، حين تتحول الفكرة لكائن حي، تصبح شيئًا مختلفًا تمامًا: كيان له القدرة على التعبير.

من الناحية الأخرى، التناقض قد يكون من أساس الرواية. فقتل شخصية امرأة طاعنة بالسن يبدو ممتعًا. إنما بفكرة كهذه، ستنال معدلF” ” في امتحان علم الأخلاق. لكن في الأدب ستنال على: الجريمة والعقاب. تحفة فنية من النثر، الشخصية فيها تتساءل إن كان قتل امرأة طاعنة بالسن أمرًا جيدًا أم سيئًا، الحيرة في أفكار الشخصية – مع تضارب آرائنا نحن – حينها تغدو مسألة شاعرية وتحدي كبير.

الصحفية:
كيف تستخدم البحث في كتابة رواية؟

إيكو:
في رواية اسم الوردة، كنت وقتها مهتمًا بالعصور الوسطى، فكان لدي مئات البحوث، فأخذت مني الرواية فقط سنتين لأكتبها. بينما بندول فوكو أخذت مني ثمان سنين من البحث والكتابة! وبما إني متكتّم عادة حول ما أفعله، بت أحيا وحدي في عالمي لعشر سنوات. أخرج إلى الشارع، أرى سيارة، أرى شجرة، وأقول لنفسي: ممم هذا قد يكون له صلة بروايتي. كانت القصة تنمو يومًا بعد يوم، فكل شيء كنت أقوم به، أو أي شيء تافه بالحياة، أو محادثة، كان بالإمكان أن يلهمني بفكرة. ثم قمت بزيارة الأماكن الحقيقية التي كنت أكتب عنها – كل المواقع في فرنسا والبرتغال حيث فرسان المعبد كانوا يعيشون. وتحول الأمر كلعبة فيديو بالنسبة لي، إذ بدوت مثل شخصية محارب ستدخل في مملكة سحرية. إلا أنه في لعبة الفيديو كل شيء يبدو مملاً. بينما أثناء الكتابة، تبدو الأمور أكثر حيوية وإثارة، حيث بلحظة ما، تضطر أن تقفز من عربة قطار سريع، فقط لتقفز عائدًا إليها صباح اليوم التالي.

نشرت في آراء. 

3 أبريل,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | الوسوم: , , , , | إرسال التعليق

بول أوستر: الكثيرُ من الكتّاب في داخلي

لا تعنيني نتائج الكتابة وحدها، بل كذلك العملية ذاتها، عملية وضع الكلمات على الصفحة.

لا تعنيني نتائج الكتابة وحدها، بل كذلك العملية ذاتها، عملية وضع الكلمات على الصفحة.

ترجمة: أحمد بن عايدة.

بعد أن تم رفض رواية «مدينة الزجاج» في سنة ١٩٨٥ من قِبل سبعة عشرة دار نشر، قامت دار سان آند مون بنشرها. تعتبر رواية «مدينة الزجاج» الأولى في «ثلاثية نيويورك». بعد عام، تم نشر الروايتين اللاحقتين «الأشباح» و «الحجرة المقفلة»، حيث كان بول أوستر في الثالثة والثمانين من عمره. بالرغم من أنه كان يراجع ويترجم بشكل دائم، ويملك قصيدة نثرية «فراغات بيضاء» قد نشرها في ١٩٨٠، إلا أن الثلاثية كانت البداية الحقيقية لمسيرته الأدبية.

نشر أوستر في ١٩٨٠ أول كتاب فكري له، «اختراع العزلة»، مذكّرات وتأملات في الأبوّة شرع في كتابتها بعد وفاة والده بوقت قصير.

الصحفي: لنستفتح الحوار بالحديث عن طريقتك في أداء العمل. كيف تكتب؟

أوستر: أكتب دومًا بالقلم. ومعظم الوقت بقلم الريشة، وقلم الرصاص أحيانًا من أجل التصحيح. ليتني كنت أستطيع الكتابة مباشرة على الآلة كاتبة أو الحاسب الآلي. غير أني أفقد قدرتي على التفكير عندما تكون أصابعي في تلك الوضعية. علاوة على ذلك، ما زالت لوحات المفاتيح تُرهبني. أما القلم فإنه أداة أكثر بدائيّة. يجعلك تشعر بخروج الكلمات من جسدك لتحفر نفسها على وجه الصفحة. فالكتابة بالنسبة لي تحمل هذه الخاصية الحسيّة. إنها تجربة بدينة.

الصحفي: إنك تستخدم الدفتر للكتابة وليس الكراسة ذات الصفحات الصفراء، أو طيات الأوراق المنفصلة.

أوستر: نعم، أكتب دائمًا في الدفاتر. ولدي ولع تجاه الدفاتر ذات المربّعات الدقيقة.

الصحفي: وماذا عن آلة الكتابة الأولمبية الشهيرة؟ إننا نعرف بعض الأمور عن علاقتك بتلك الآلة. ففي العام الماضي قمت بنشر كتاب رائع مع الرسّام سام ميسر: حكاية آلتي الكاتبة.

أوستر: لقد احتفظت بالآلة الكاتبة تلك منذ ١٩٧٤، أكثر من نصف عمري. وكنت قد اشتريتها مستعملة من زميلي في الجامعة. فلا بد من أنها الآن في عامها الأربعين. إنها قطعة أثرية آتية من عصر بعيد، ولكنها بحالة جيدة، ولم تتعطّل قط. كل ما عليّ فعله هو تغيير شريطة الآلة من فترة إلى أخرى. وأخشى أن يأتي يوم لا يبقى فيه شرائط للبيع. حينها سيكون عليّ القفز نحو العالم الرقميّ والانضمام إلى القرن الواحد والعشرين.

 الصحفي: رائع! إنها قصة أوستريّة من الطراز الأول؛ عن اليوم الذي ستخرج فيه لتشتري لآلتك الكاتبة آخر شريطة موجودة على وجه الأرض.

أوستر: قمت بالاستعداد لهذا اليوم. لقد أمّنت مخزونًا كافيًا من الشرائط. لدي ما يقارب الستّين أو السبعون شريطة في غرفتي. ويبدو أنني سوف ألزم آلة الكتابة حتى النهاية، رغم أنه في بعض الأحيان تعتريني رغبة موجعة بهجرها. فهي عبء ثقيل وغير مريح، غير أنها تقيني من الكسل.

الصحفي: كيف ذلك؟

أوستر: تجبرني الآلة الكاتبة على البدء من جديد كلما انتهيت من الكتابة. أما الحاسب الآلي، فإنك تجري التعديلات على الفور، ومن ثم تطبع النسخة المنقّحة. لا يمكنك الحصول على مسوّدة منقّحة باستخدام الآلة الكاتبة إلا إذا بدأت من جديد. إنها عملية متعبة للغاية. تكون قد انتهيت من كتابك، عليك من بعد ذلك أن تقضي الأسابيع في عملية ميكانيكية محضة في نسخ ما قد كتبته سلفًا. وهذا يضرّ رقبتك، وظهرك. وحتى لو تمكنت من كتابة عشرين أو ثلاثين صفحة في اليوم، فإن مجموع الصفحات المنجزة يتزايد ببطءٍ مبرح. وهذه اللحظات التي تولّد فيّ رغبة الانتقال إلى الحاسب الآلي. لكن كلما دفعت نفسي إلى نهاية هذه المرحلة الشاقة من الكتابة، أكتشف من جديد أهمية الآلة الكاتبة. الطباعة تتيح لي تجربة الكتاب على نحو مختلف. إنها تجعلني أنغمس في السرد فأحسّ بكيفية سيره بوضوح شديد. أطلق على هذه التجربة “القراءة من خلال أصابعي”. سوف تُذهل من كم الأخطاء التي تجدها أصابعك ولم تلحظها عيناك. الكلمات المكررة، التراكيب الخرقاء، السقطات المضطربة. لن تخذلك هذه العملية. دائمًا أعتقد بأني أتممت الكتاب، حتى أبدأ بطباعته، وأدرك مدى حاجتي إلى المزيد من العمل.

الصحفي: لنعود إلى الدفاتر لبرهة. شخصية كوين، في «مدينة الزجاج» يدوّن ملاحظاته في دفترٍ أحمر اللون. آنا بلوم، الشخصية الراوية في «في بلاد الأشياء الأخيرة» تكتب رسائلها في دفتر أزرق. وفي رواية «السيد المترنّح» يقوم والت بكتابة سيرته الذاتية في ثلاثة عشر مجلّد مدرسيّ. أما ويلي ج. كريسماس، البطل المجنون في رواية «تيمبكتو» فقد جرجر جميع أعماله التي كتبها خلال حياته إلى مدينة بالتيمور ليعطيها أستاذه في الثانوية قبل أن يموت: أربعة وسبعون دفتر من القصائد والقصص والمقالات والمذكرات، والقصائد القصيرة، وتأملات حياته، والسطور الـ 800 الأولى لملحمته غير المكتملة “زمن التشرد”. وتظهر الدفاتر كذلك في رواياتك الحديثة، «كتاب الأوهام» و«ليلة الوحي». ناهيك عن مجموعتك القصصية «الدفتر الأحمر». ماذا عسانا أن نفهم من ذلك كله؟

أوستر: ذلك لأني أظن أن الدفتر عبارة عن سرداب الكلمات، مكان سري للفكرة والتوغّل الذاتي. لا تعنيني نتائج الكتابة وحدها، بل كذلك العملية ذاتها، عملية وضع الكلمات على الصفحة. لا تستفسرني عن السبب. ربما يعود ذلك إلى تشويش حصل لي في فترة مبكّرة من حياتي؛ جهلي تجاه حقيقة القصص. كنت أتساءل دائمًا في صغري، من أين تأتي تلك الكلمات؟ من الذي يقول هذا كله؟ إن استخدام الصوت الثالث كما في الرواية الكلاسيكية لأمر غريب. لقد اعتدنا عليه الآن. إننا نتقبّله، ولم نعد نسائله. غير أنك إذا فكّرت بالأمر، تجد أن في ذلك الصوت غرابة روحية. كما لو أنه يجيء من اللا شيء، وقد وجدتُ ذلك مخيفًا. دائمًا تجذبني الكتب التي تسحبك إلى عالمها. حتى لو كانت غاية الكتاب هي دفعك إلى العالم. إن النص ذاته هو البطل. «مرتفعات وذرينغ» رواية مثالية لهذا النوع من الكتب. وكذلك رواية «الرسالة الحمراء». الإطار الذي يحوي تلك الأعمال مختلق بكل تأكيد، غير أنه يؤسّسها، ويمنحها مصداقية لم أجدها في الروايات الأخرى. إنهم يعرضون العمل في إطار خيالي، إطار كانت تفتقده أشكال السرد الأكثر تقليدية، حتى إذا بدأتَ بتصديق هذا الخيال، تتجلى بشكل متناقض حقيقة الواقع. لم تُكتب الكلمات من قِبل إله مخفي. هذه الأعمال تعكس جهد منبثق من لحم ودم، وإن ذلك مثير للدهشة. فالقارئ يصبح جزء من تقدّم الحبكة، وليس متفرّجًا فحسب.

الصحفي: متى أدركت أنك تريد أن تصبح كاتبًا؟

أوستر: بعد سنة من إدراكي بأني لن أصبح لاعب بيسبول محترف. كانت لعبة البيسبول أهم شيء في حياتي، حتى بلغت سن السادسة عشر.

الصحفي: من البيسبول إلى الكتابة، إنها نقلة غير اعتيادية. ذلك أن الكتابة عملٌ يتطلب عزلة تامة.

أوستر: كنت ألعبُ البيسبول في الربيع والصيف، غير أني كنت أقرأ طوال العام. كان شغفًا صغيرًا، وقد كبر معي. لا يمكنني تخيل كاتبٍ لم يكن قارئا شرسًا في شبابه. القارئ الحقيقي يفهم أن الكتب عالمٌ بحد ذاته، وأنه أكثر سعةً وتشويقًا من أي عالم آخر سافرنا إليه. أظن أن ذلك ما يجعل اليافعين واليافعات يتحوّلون إلى كتّاب. إنها السعادة التي تكتشفها فيما أنت تعيش الكتب. ربما لا تكون قد عشت لزمنٍ كافٍ لتمتلك شيئًا تكتب عنه، غير أن اللحظة آتية وحينها ستدرك أن ذلك ما قد وُلدتَّ لأجله.

الصحفي: ماذا عن الذين تأثّرت بهم في البداية؟ لمن كنت تقرأ في مرحلة الثانوية؟

أوستر: غالبًا الكتّاب الأمريكيون الاعتياديون. فيتزجيرالد، همنغواي، فوكنر، دوس باسوس، سالينجر. غير أنني في سنة التخرج بدأت أكتشف الأوروبيين من الكتّاب. الروس والفرنسيين. تولستوي، دوستوفيسكي، تورجينيف. ألبير كامو وأندريه جيد. جيمس جويس وتوماس مان كذلك. خصوصًا جويس. فقد كان على رأس الجميع عندما كنت في الثامنة عشرة.

الصحفي: هل كان له التأثير الأكبر عليك؟

أوستر: نعم، لفترة قصيرة. حاولت أكثر من مرة تقليد كل من الروائيين الذين كنت أقرأ لهم. كل شيء يؤثر فيك عندما تكون يافعًا وأفكارك تتغير كل بضعة شهور. إنها أشبه بتجريب القبعات. إنك لا تملك أسلوبًا يخصّك بعد، فتقوم بغير وعي بتقليد كتّابك المفضّلين.

الصحفي: لقد ذكرتَ على مر السنين بعض الكتّاب الذين أثّروا على كتاباتك. ميغيل سيرفانتس وتشارلز ديكنز. كافكا وصامويل بيكيت. ومايكل مونتاين.

أوستر: إن جميعهم بداخلي. الكثير من الكتّاب في داخلي، غير أني لا أظن أن كتاباتي تشبه أي أحد. فأنا لا أقوم بكتابة كتبهم. إنني أكتب تلك الخاصة بي.

الصحفي: يبدو أيضًا أنك تميل إلى أدباء القرن الثامن عشر الأمريكيين. فإن أسماءهم تظهر في رواياتك بشكل ملحوظ. إدغار ألان بو على سبيل المثال، ومليڤيل، ووالت ويتمان، ديڤيد ثورو، وناثانيال هاوثرون. وعلى وجه الخصوص هاوثرون. فانشاو، اسم إحدى الشخصيات في روايتك «الحجرة المقفلة» مستلهم من هاوثرون. وتبدأ روايتك «في بلاد الأشياء الأخيرة» بإقتباس لهاوثورون. ولقد اصبحت قصة هاوثورون «وايكفيلد» جزءًا من عملك «الأشباح». وقصة «الوحمة» تجدها موضوع حوار بين زيمير وألما في عملك «كتاب الأوهام». ولقد كتبتَ مقالة طويلة عن هاوثرون في شهر مايو السابق. هل يمكنك تفسير اهتمامك العميق بهاوثرون؟

أوستر: من بين جميع أولئك الكتّاب، هو الأقرب إليّ، والأعمق وصولًا إلى قلبي. هناك شيئًا في صدى خياله يرنّ فيّ. إنني أعود إليه دائمًا، وعلى الدوام أتعلم منه. إنه كاتب لا يخاف الأفكار. وهو أيضًا عالم سيكولوجي عظيم، قارئ عميق للنفس البشرية. كانت كتاباته ثورية بلا شك، لم يسبقها مثيل في أمريكا. أعلم أن همنغواي قال بأن الأدب الأمريكي بأكمله قد خرج من مغامرات هاكلبيري فن. غير أني لا أوافقه. لقد بدأ كل شيء بـ «الرسالة الحمراء».

الكثير من الكتّاب في داخلي، غير أني لا أظن أن كتاباتي تشبه أي أحد. فأنا لا أقوم بكتابة كتبهم. إنني أكتب تلك الخاصة بي.

الكثير من الكتّاب في داخلي، غير أني لا أظن أن كتاباتي تشبه أي أحد. فأنا لا أقوم بكتابة كتبهم. إنني أكتب تلك الخاصة بي.

هناك المزيد في جعبة هاوثرون خارج قصصه ورواياته. إنني شغوفٌ بمذكّراته، لأنها تحتوي على أبلغ وأذكى كتاباته. لذلك رغبت بشدة في نشر مذكّرات «عشرون يومًا» في كتاب مستقل. فلقد كانت لسنوات عديدة متوفّرة ضمن كتاب «المذكّرات الأمريكية» في نسخة أكاديمية باهظة الثمن قلة قليلة ترغب بقراءتها. إن مذكراته حول اعتنائه بولده ذي الخمسة سنوات عملٌ بحد ذاته. عملٌ يأسرك ويضفي عليك البهجة بطريقته الميتة، والذي يعطينا صورة مختلفة تمامًا لهاوثورون. لم يكن كما يعتقده الناس، بهيئته الحزينة والمعذبة. بل كان أبًا وزوجًا عطوفًا، ورجلًا مكتفيًا بسيجار جيد وكأس أو كأسين من الويسكي. وقد كان مرحًا، كريمًا، وطيب القلب. ورغم خجله المفرط، فإنه رجل يحب مسرات الحياة البسيطة.

الصحفي: لقد كتبتَ في مجالات عديدة، الشعر والقصص، وحتى نصوص سينمائية، وسير ذاتية، ونقد وترجمة. هل تشعر بأنها أنشطة مختلفة، أو كلها بطريقةٍ ما موصولة ببعضها البعض؟

أوستر: إنها أقرب إلى الترابط من أي شيء آخر، غير أن هناك اختلافات مهمة. وهناك التطوّر الداخلي. لم أقم بأية ترجمة أو كتابة نقدية لسنوات عديدة. لقد كانت شغلي الشاغل الذي ابتلعني تمامًا عندما كنت شابًا، من مراهقتي المتأخرة تقريبًا حتى آخر عشرينياتي. وكلا العملين كانا يتيحان لي اكتشاف كتّاب جدد، ومعرفة كيف أصبح كاتبًا. يمكنك اعتبارها تلَمَذَتي الأدبية. لدي بعض المحاولات في الترجمة والنقد منذ ذلك الحين، غير إنها ليست مادة كافية للنشر. وسنة ١٩٧٩ شهدت آخر قصيدة قد كتبتها.

الصحفي: ماذا حدث؟ لماذا هجرت هذه الكتابات؟

أوستر: لأنني وصلت إلى جدار. ركّزت طاقتي لعشرة سنوات في الشعر ومن ثم أدركت أنه لا يمكنني كتابة المزيد، أدركت أني علقت. كانت فترة سوداء بالنسبة لي. لقد ظننت بأني متُ ككاتب.

الصحفي: لقد مُتَّ شاعرًا، وبعثَ روائيًا. كيف حدث هذا التحول برأيك؟

أوستر: أعتقد بأنه حدث في نفس اللحظة التي توقفت فيها عن الاكتراث؛ بعدما مات اهتمامي بصنع الأدب. يبدو هذا غريبًا. لكن منذ ذلك الحين، وبعد أن تمرّغت بشكل كافٍ في تربة الكآبة لعام كامل، بدأت أكتب من جديد. أصبحت الكتابة تجربة مختلفة. فلقد كانت الكلمات التي تخرج مني الآن على شكل نثر. أصبح كل ما يهم هو قول ما يجب قوله. دونما اهتمام بالعادات المغروسة مسبقًا. دونما اهتمام بالشكل الذي ستخرج عليه. كان ذلك في آخر السبعينيات، وقد استمريت في الكاتبة على هذا النحو.

 الصحفي: يعتبر كتاب «اختراع العزلة» أول عمل نثري وفكري لك، والذي قمتَ بكتابته بين سنة ١٩٧٩ و١٩٨١. بعد ذلك قمتَ بنشر ثلاثة روايات معروفة باسم ثلاثية نيويورك: مدينة الزجاج، الأشباح، الحجرة المقفلة. هل يمكنك تحديد أوجه الاختلاف بين كتابة قصص تخيّلية وكتابة نثر متجرد من الخيال؟

أوستر: إن المجهود هو ذاته في كلا الأمرين. والحاجة لإتقان كتابة جملة مستعصية نفسها موجودة كذلك. غير أن العمل التخيّلي يتيح لك حرية أكبر وحركة أوسع من العمل النثري الفكري. في أغلب الأحيان تصبح تلك الحرية شيئًا مخيفًا للغاية. ثم ماذا؟ كيف لي معرفة أن الجملة التالية لن تقودني للسقوط في الهاوية؟ أما بالنسبة للسيرة الذاتية، فإنك تعلم الحكاية سلفًا، وواجبك الرئيسي هو قول الحقيقة. ذلك لا يجعل الأمر بالضرورة أسهل. في مقدمة الجزء الأول من مذكّرات «اختراع العزلة»، بدأتُ بجملة لهيروقليطس. “في البحث عن الحقيقة، كُن مستعدًا للمفاجآت. فإنه يصعب العثور عليها، وإذا وجدتها، لم تفهمها.” في النهاية، الكتابة هي الكتابة. قد لا تكون “اختراع العزلة” رواية، غير أني أظن بأنها تناقش العديد من الأسئلة التي أطرحها عادة في أعمالي الروائية. إنها، بشكل أو بآخر، جوهر أعمالي كلها.

الصحفي: ماذا عن النصوص السينمائية؟ لقد شاركتَ في انتاج ثلاثة أفلام: الدخان، اللون الأزرق في الوجه، لولو على الجسر. كيف تختلف كتابة السيناريوهات عن الروايات؟

أوستر: من كل النواحي. باستثناء تشابه واحد جوهري: وهو أنّك تحاول سرد قصة. غير أن الأدوات المتاحة لك مختلفة تمامًا. الروايات عبارة عن سردٍ صرف. السيناريوهات تمثّل المسرح، الحوارات هي الأساس. بشكل عام لا تحمل رواياتي العديد من الحوارات. ولذا ما أحتاجه لأشتغل على انتاج فيلم هو تعلم طريقة كتابة جديدة تمامًا. أن أعلّم نفسي التفكير على نحو تصويري، ووضع الكلمات في فم كائنات بشرية حية. إن كتابة النصوص السينمائية أكثر تقييدًا من كتابة الروايات. على سبيل المثال، الزمن. في الرواية تستطيع اختزال دهر كامل في جملة واحدة “كنت في كل يوم لعشرين عام، أذهب إلى دكان الصحف في زاوية الشارع، وأشتري نسخة من صحيفة البوق اليومية.” يستحيل فعل ذلك في الأفلام. يمكنك تصوير رجل يذهب إلى دكان الصحف ليشتري صحيفة في يوم واحد محدد، لكن ليس كل يوم لعشرين سنة.

الصحفي: هناك عبارة في «اختراع العزلة» طالما أحببتها: “النوادر شكل من أشكال المعرفة.” أعتقد بأنها تحمل فكرة مهمة للغاية. وهي أن المعرفة لا تأتي بالضرورة عبر التصريحات، أو البيانات والشروحات. يمكن للمعرفة أن تتشكل على صورة قصة. وإن ذلك يذكّرني بالروح التي تحرّك كتابك «المذكرة الحمراء».

أوستر: أوافقك. تلك القصص تشبه المناهج التي تعلّمك كتابة الشعر، دون النظريات ودون الفلسفة. لقد حدث لي الكثير من الأمور الغريبة في حياتي، أحداث غير متوقعة وبعيدة الاحتمال، واصبحت غير واثقٍ من معرفتي للواقع. كل ما يمكنني فعله هو الحديث حول هندسة الواقع، وتجميع الأدلة من خلال تسجيل ما يحدث في العالم بأكبر قدر من الإخلاص. لقد كتبت رواياتي من هذا المنطلق. لا أعتبر ذلك منهجًا أكثر من كونه عملية صادقة في عرض الواقع كما هو، وليس كما يجب أن يكون أو كما نرغب له أن يكون. نعم، الروايات عملٌ تخيّلي، ويعني ذلك بالطبع أنها تقول الأكاذيب. غير أن كل روائي يحاول تصوير حقيقة العالم من خلال تلك الأكاذيب. تصوّر القصص الصغيرة في «المذكرة الحمراء» رؤيتي الخاصة للعالم. الحقيقة العارية حول عدم مقدرتنا في تنبؤ الحياة. لا توجد نطفة خيال في تلك القصص. إنه من غير الممكن أن يوجد خيال فيها. فلقد عاهدت نفسك على قول الحقيقة، وإنك لتفضّل بتر ذراعك على ألا توفي بوعدك. وما يثير الاهتمام خلال كتابتي لتلك القصص هو أنني كنت أخطط في ذهني باستخدام أسلوب ساخر. الأسلوب الساخر هو أنقى وأهم شكل للسرد. يجب أن تكون كل كلمة في مكانها الصحيح.

الصحفي: حكاية البرق بلا شك القصة الأكثر نفوذًا من بين مجموعة «المذكرة الحمراء». وهي تدور حول شلة من الفتيان كنتَ من بينهم، حيث كنتم تقومون بالتنزّه في الغابة. كان عمرك أربعة عشر عام آنذاك. وفجأة اجتاحتكم عاصفة رعدية رهيبة. صُعق فتى كان يقف بجانبك ومات. إذا كنا نريد الحديث عن رؤيتك للعالم وللكتابة، فلا بد أن تكون تلك الحادثة نقطة تحول جوهرية.

أوستر: لقد غيّرت تلك الحادثة حياتي، لا مجال للشك في ذلك. في لحظة كان الفتى حيًا ولحظة أخرى فإذا هو ميت. كنت أقف على بعد إنشات منه. كانت تجربتي الأولى في الخوض بمسألة الموت العشوائي، والإحساس المحير بهشاشة الأشياء. تظن بأنك تقف على أرض يابسة، وبعد لحظة، تفغر الأرض أسفل قدميك فاهها، وتختفي.

الصحفي: أكثر ما هو جريء في روايتك الأولى «مدينة الزجاج» هو أنك استخدمت نفسك كشخصية في القصة. بل أيضًا زوجتك وابنك. لقد ذكرنا مسبقًا أنك كتبت بعض السير الذاتية، لكن ماذا عن رواياتك؟ هل تستعير بعض الأشياء من السير الذاتية التي تكتبها؟

أوستر: أجل، إلى حد معين. لكن أقل بكثير مما تظن. فبعد «مدينة الزجاج» كانت هناك رواية «الأشباح». وقد ذكرتَ أن الرواية تبدأ في ٣ فبراير ١٩٤٧- يوم ميلادي- فيما عدا ذلك لا يوجد هناك أي إشارات شخصية أخرى. أما في «الحجرة المقفلة» فإن العديد من الأحداث قد استمدتها مباشرة من حياتي.

الصحفي: تحمل الشخصية الراوية في «لڤايثن» حروف أسمك الأولى، بيتر آرون. المتزوج من آيرس، وهو أسم زوجتك معكوسًا.

أوستر: نعم، غير أن بيتر ليس متزوجًا من امرأتي سيري. بل متزوج من بطلة روايتها الأولى «معصوب العينين».

الصحفي: إذن هي علاقة رومانسية أدبية؟

أوستر: بالضبط.

الصحفي: لم تذكر شيئًا عن «قصر القمر» والذي يبدو أقرب إلى السيرة الذاتية من أي رواياتك الأخرى. فإن شخصية فوغ بنفس عمرك، وقد غادر إلى كولومبيا بنفس الوقت الذي رحلتَ فيه أنت إلى كولومبيا.

أوستر: أجل، أعلم أن الكتاب يبدو شخصيًا للغاية، غير أن تقريبًا لا شيء فيه يعكس حياتي. سوى أمرين مهمين. يتعلق الأمر الأول بوالدي. وهو عبارة عن العودة من الموت للانتقام، لتسوية أمر قديم بالنيابة عن أبي. إن تيسلا شخصية ثانوية في الرواية، وقد خصصت صفحتين لجدال دار بين إديسون وتيسلا في تسعينيات القارن التاسع عشر. إيفنغ، الرجل الذي يخبر فوغ الحكاية، يحقّر من شخص إديسون. فلقد اتضح لي أنه عندما تخرج والدي من الثانوية في ١٩٢٩، اشتغل عند إديسون مساعدًا في مختبر مينلو بارك. فلقد كان أبي بارعًا مع الإلكترونيات. غير أن بعد أسبوعين من العمل، اكتشف إديسون أن والدي كان يهوديًا، فطرده. لم يخترع أبي الكرسي الكهربائي وحسب، بل كان أيضًا معاديًا شرسًا لليهود. فرغبت بأن أنتقم لأجل والدي، لتسوية الأمر.

الصحفي: وما هو الأمر الآخر؟

أوستر: الأمر الآخر يتمثل في الليلة التي يقوم بها إيفينغ بإعطاء مالًا لغرباءٍ في الشارع. لقد استلهمت ذلك المشهد مباشرةً من أمر قد حدث لي في سنة ١٩٦٩، خلال لقائي بهارولد لويس هيومز، المعروف بالدكتور هيومز، أحد مؤسسي مجلة باريس ريفيو. لقد كان حدثًا جنونيًا، لا أعتقد بأني قادرًا على خلق أمرًا كهذا.

الصحفي: لقد كتبتَ بعض الصفحات الخالدة حول الدكتور هيومز في مذكرات «قوت اليوم» التي تعتبر إحدى سيرك الذاتية. الكتاب بشكل عام يتحدث حول معاناة شبابك في محاولة النجاة من الغرق، ويحمل عنوان ثانوي مثير للاهتمام «يوميَات فشل مبكّر». ما الذي دفعك للكتابة حول ذلك الموضوع؟

أوستر: لطالما رغبتُ بالكتابة عن المال. ليس من منظور تمويلي أو تجاري، بل عن عدم امتلاك المال الكافي، عن الفقر. درستُ مشروع ذلك الكتاب لسنوات عديدة، وكان دائمًا يحمل عنوان «مقال عن العوز». كان عملًا لوكييني من الطراز الأول، على نمط القرن السابع عشر، فقد كان جافًا للغاية. كنت أخطط لكتابة عمل فلسفيًا جادً. لكن كل شيء تغير عندما بدأت أكتبه. تحول الكتاب إلى نقاش مشاكلي المالية الخاصة. وبرغم كآبة الموضوع، انتهيت إلى كتابتها بروح هزلية. ومع ذلك، لم يكن الكتاب يتمحور حولي وحسب. فلقد وجدتها فرصةً للكتابة عن بعض الشخوص المرحة التي قابلتها في صغري، لكي أوفّي لهم حقهم. وقد قبلت أولئك الأصحاب لأنه لم يكن لدي أدنى اهتمام في العمل على مكتب أو المحافظة على وظيفة رتيبة. وجدت أن الفكرة وحدها منفرة. وكنت منجذبًا نحو الأعمال الأكثر بساطة، أعمال تتيح لي بقضاء وقت مع شخوص لا يشابهونني. أشخاص لم يدرسوا في الجامعات، لم يقرؤوا الكثير من الكتب. نحن نقلل من قدر ذكاء الطبقة العاملة في هذا البلد. استنادًا على تجربة شخصية، اكتشفت أن أغلبهم أذكياء بقدر أولئك الذين يديرون العالم. إنهم بكل بساطة ليسوا طموحين، وهذا كل ما في الأمر. غير أن الحديث معهم أكثر متعة. فهم فكاهيون. عانيتُ في محاولتي لمواكبتهم. كنت أجد أحاديثهم غير مفهومة. لقد قضيت الكثير من الوقت مدفونًا بين الكتب.

الصحفي: شخصية هيكتور مان، الكوميديان الصامت، في رواية «كتاب الأوهام»، من أين استلهمتها؟

أوستر: قبل عشرة سنوات ظهر هيكتور في رأسي ذات يوم. وقد ماشيته لمدةٍ طويلة قبل البدء بالكتاب. لقد كان هيكتور متكاملًا منذ البداية. ليس فقط باسمه، وأنه وُلد في الأرجنتين، بل أيضًا ببذلته البيضاء وشاربه الأسود ووجهه الجميل. كان كل شيء فيه على أتم وجه.

الصحفي: يحكي «كتاب الأوهام» قصة معقّدة للغاية، لكني أظنها في الجوهر تستكشف حالة الأسى. كيف عسانا أن نمضي بعد خسارة جسيمة؟ كيف نعيد إحياء أنفسنا بعد موت عزيز؟ من منظور مختلف جدًا كان محور رواية «تيمبكتو» يدور حول الأمر ذاته، أليس كذلك؟ دعني أعيد صياغة السؤال: هل تعتقد بأنك كنت ستكتب أي من هاتين الروايتين قبل عشرة أو خمسة عشرة سنة؟

أوستر: أشك في ذلك. إنني في خمسينيات عمري، والأمور تتغير للمرء فيما هو يكبر. يبدأ الوقت بالتبدد، وعملية حسابية بسيطة تقول بأن السنوات التي تلاشت خلفك أكثر بكثير من تلك الآتية. جسدك يأخذ بالتهالك، تصبح لديك أوجاع لم تكن موجودة من قبل، وشيئًا فشيئًا، يبدأ الموت بانتشال أعزاءك. معظم الذين يصلون للخمسين محاطين بالأشباح. إنها تعيش داخلنا. نصبح نتحدث مع الموتى بقدر ما نتحدث مع الأحياء. إنه لمن العسير لليافع أن يدرك ذلك. لا أقصد أن العشريني لا يدرك أنه سوف يموت، بل تجربة فقد الآخرين، فهو أعمق لدى الكبار. ولستَ تدرك مدى تأثير ذلك الفقد حتى تجربه بنفسك. الحياة قصيرة، وهشّة، ومحيّرة. وفي النهاية، كم عدد الذين نحبّهم في حياتنا كلها؟ عدد قليل، قليل جدًا. عندما يختفي معظمهم، تتغير خريطة عالمك الداخلي. كما قال لي جورج أوبين ذات مرة: أن تشيخ، يا له من أمرٍ غريب يحصل للطفل.

الصحفي: لقد اقتبست تلك العبارة في كتابك «اختراع العزلة».

أوستر: إنها أفضل عبارة سمعتها عن الشيخوخة.

الصحفي: تقول الشخصية الروائية في «ليڤايثن» “لا يمكن لأحد معرفة من أين جاء الكتاب، على الأقل ليس الكاتب نفسه. تولد الكتب من الجهل، وإذا ما استمرّت تلك الكتب في العيش بعد ما كُتبت، فذلك لأنها لم تُفهم بعد.” إلى أي حد تؤمن بهذه العبارة؟

أوستر: إنه ليندر أن أتحدّث مباشرةً من خلال شخصياتي. قد تقوم بعكس ملامحي في بعض الأحيان، أو تستعير من حياتي، غير أني أعتبرهم كائنات قائمة بذاتها، بآرائها، وطريقتها الخاصة بالتعبير عن أنفسها. وعلى ما أظن جاء رأي آرون في هذه الحالة مطابقًا لرأيي.

الصحفي: عندما تشرع في كتابة رواية، ما هي درجة وعيك بالأشياء التي تقوم بها؟ هل تعمل بحسب خطة ما؟ هل تعرف الحبكة مسبقًا؟

أوستر: جميع الكتب التي قمت بكتابتها بدأت بما أسميه وخزة في الرأس. موسيقى من نوع ما، أو إيقاع، أو نبرة. قدر كبير من الجهد الذي أبذله في كتابة الرواية هو في البقاء صادقًا لتلك الوخزة، تلك الموسيقى. إنها عملية حدسية للغاية. ليس بإمكانك إثباتها أو الدفاع عنها بطريقة عقلانية. غير أنك ستدرك متى عزفت على الوتر الخطأ، وغالبًا ما تكون متيقّنًا إذا وقّعتها بالطريقة الصحيحة.

الصحفي: هل تنتقل عبر الحبكة جيئة وذهابًا بينما تقوم بكتابتها؟

لا يمكن لأحد معرفة من أين جاء الكتاب، على الأقل ليس الكاتب نفسه. تولد الكتب من الجهل، وإذا ما استمرّت تلك الكتب في العيش بعد ما كُتبت، فذلك لأنها لم تُفهم بعد

لا يمكن لأحد معرفة من أين جاء الكتاب، على الأقل ليس الكاتب نفسه. تولد الكتب من الجهل، وإذا ما استمرّت تلك الكتب في العيش بعد ما كُتبت، فذلك لأنها لم تُفهم بعد

أوستر: كلا. جميع كتبي بدأت بالجملة الأولى، بعد ذلك أقوم بشق طريقي حتى الجملة الأخيرة. على نحو متتابع، الفقرة تلو الأخرى. إنني أملك حدسًا عن مسار القصة، وغالبًا الجملة الأخيرة والأولى قبل البدء بالكتابة. لكن كل شيء يتغير فيما أنا أكتب. كل الكتب التي نشرتها لم تكن بالصورة التي صوّرتها عليها في البدء. شخصيات وأحداث تختفي، وأخرى تتشكّل فيما أمضي. إنك تعثر على الكتاب خلال عملية كتابته. تلك هي مغامرة. لو كان كل شيء معروفًا من قبل، لن تكون كتابته بالأمر المثير.

الصحفي: رغم ذلك تبدو كتبك مبنية برشاقة عالية. إنها إحدى ميّزاتك المستحسنة لدى الجميع.

أوستر: لقد مرّ «كتاب الأوهام» عبر عدد من التغييرات الجذرية خلال كتابته، ولقد كنت أعيد التفكير في الحبكة حتى آخر صفحة.  كانت رواية «تيمبكتو» القصيرة أطول مما انتهت إليه. فلم يكن من المفترض أن تحصل الشخصيتان ويلي والسيد بونز سوى على أدوار صغيرة وزائلة، لكن بعد أن بدأت بكتابة الفصل الأول، وقعت في حبهما وقررت شطب خطتي بأكملها. فتحوّل المشروع إلى كتاب شعري قصير يدور حول هاتين الشخصيتين وحسب، لذلك بالكاد توجد أي حبكة. أما مع رواية «السيد المترنّح» فقد ظننت في البداية أنني أكتب قصة قصيرة من ٣٠ أو ٤٠ صفحة، غير أنها انطلقت تفتش طالبةً حياة كاملة تخصّها. لطالما كانت الكتابة على هذا النحو بالنسبة لي. أتخبّط ببطء نحو الصواب.

الصحفي: هل يمكننا العودة لعبارتك “الفقرة تلو الأخرى”؟

أوستر: بالنسبة لي، الفقرة هي الوحدة الطبيعية للإنشاء. السطر هو وحدة تكوين القصيدة، كذلك هي الفقرة للنثر. أعيد كتابة الفقرة حتى أتقبّلها على نحو مرضي، أكتب وأعيد كتابتها إلى أن يصير لها الشكل الصحيح، الوزن الصحيح، النغمة الصحيحة، حتى تبدو شفافة وعذبة، حتى تبدو بأنها لم تُكتب. قد يتطلب إتمام الفقرة يوم بأكمله أو نصف يوم، أو ساعة واحدة، أو ثلاثة أيام. وحالما أظن بأني أتممت كتابتها، أقوم بطباعتها لأتفحّصها بشكل جيد. ولذا فإن لكل كتاب مسوّدة إلى جانب نسخة مطبوعة على الآلة الكاتبة. بعد الانتهاء من كل شيء أقوم بمهاجمة الصفحات المطبوعة لإجراء المزيد من التعديلات.

الصحفي: وشيئًا فشيئًا، تتزايد عدد الصفحات.

أوستر: نعم، ببطء شديد.

 الصحفي: هل تعرض عملك على أحد قبل أن تنشره؟

أوستر: أجل، إن زوجتي سيري أول قرائي، ولدي إيمانًا مطلقًا بأحكامها. في كل مرة أكتب فيها رواية، أقرأ بعضًا منها عليها كل شهر، أو متى أصبح لدي عشرين أو ثلاثين صفحة جديدة. القراءة بصوت مسموع يساعد في بلورة الكتاب، لأستمع إلى أخطائي وإلى إخفاقاتي في التعبير عما أردت قوله. ومن ثم تأتي تعليقات سيري. إنها تقوم بذلك منذ 22 سنة، وكل ما تتفوّه به يكون ثاقبًا بشكل مدهش. لا يمكنني تذكّر متى لم أتبع نصيحتها.

الصحفي: وهل تقرأ أعمالها؟

أوستر: نعم. ما تفعله لأجلي، أحاول فعله لأجلها. كل كاتب يحتاج إلى قارئ يثق به. شخص يتعاطف مع ما تقوم به ويرغب بجعل العمل على أفضل نحو ممكن. غير أنه يجب أن تكون صادقًا. وهذا أساس واجب وجوده. المسألة لا تحتمل كذب، أو تربيتة على الكتف، أو مدح شيئًا لا تؤمن به.

الصحفي: قمت بإهداء «ليڤايثن» إلى دون ديليلو في ١٩٩٢. بعد إحدى عشرة سنة، أهدى إليك روايته «كوزموبوليس». من الواضح أن هناك صداقة قديمة تربطكما. لمن تقرأ في الوقت الحالي من الروائيين المعاصرين؟

أوستر: عدد لا بأس به، ربما أكثر مما استطيع عدّه. بيتر كيري، راسل بانكس، فيليب روث، إدغار لورينس دوكتورو، تشارلز باكستر، جون ماكسويل كوتسيه، ديفيد غروسمان، أورهان باموق، سلمان رشدي، مايكل أوندارتشي، وسيري هوزتفت… تلك هي الأسماء التي تقفز إلى ذهني. أنا واثق إذا قمت بسؤالي غدًا، فسأعطيك لائحة مختلفة. على عكس ما يظنه أغلب الناس، إن الرواية بحالة جيدة في زمننا، سليمة ومفعمة بالحيوية كما هو حالها عبر العصور. إن الرواية قالبٌ لا ينفد. أيًا كانت زعائم المتشائمين، فإن الرواية باقية بقاء الأبد.

الصحفي: كيف لك ان تكون واثقًا إلى هذا الحد؟

أوستر: لأن الرواية هي المكان الوحيد في العالم حيث يلتقي الغريبان، ولا شيء يجمعهما سوى الألفة المحضة. القارئ والكاتب يخلقان الرواية سويًا. ذلك ما لا تمتلكه أي من الفنون الأخرى. لا يوجد فن آخر قادر على قبس جوهر الحياة الإنسانية.

الصحفي: سوف تنشر روايتك الجديدة «ليلة الوحي» في أواخر هذا العام. خمسة أشهر منذ نشرك «كتاب الأوهام». لقد عرف عنك بسرعة إنتاجيتك الأدبية، لكن هذه المرة يبدو أنك حطّمت كل الأرقام.

أوستر: في الواقع، بدأت بكتابة «ليلة الوحي» قبل «كتاب الأوهام». توقفت بعد كتابة عشرين صفحة، أو ما يقارب ذلك. فقد أدركت بأنني لست واثقًا مما أنا بصدد فعله. أخذ مني كتاب الأوهام تقريبًا ثلاث سنوات لكتابته. كان فكري يحوم حول ليلة الوحي على الدوام خلال تلك المدة. ولما عدتُ إليها أخيرًا، انتهيت منها بسرعة مدهشة. أشعر كما لو كنت قد كتبتها في غيبوبة.

الصحفي: هل كانت كتابتها سهلة ورشيقة حتى النهاية؟ أو قد صادفت بعض الصعوبات؟

أوستر: نعم، عانيت في الصفحات العشرين الأخيرة. فقد كنت أمتلك نهاية مختلفة عندما شرعت في كتابتها. لكن بعدما كتبتها متبعًا الخطة كما ينبغي، شعرت بعدم الرضى. كانت مفرطة بالوحشية وحساسة لدرجة أنها أضعفت نبرة الكتاب. صُعقت، وبقيت لأسابيع مشوشًا، ظننتُ بأنه ينبغي عليّ هجر الكتاب. إن الأمر يشبه قصة سيدني تمامًا في الرواية ذاتها. إنه كما لو حلّت عليّ لعنة كانت من صنعي، وجعلتني بالفعل أعايش معاناة بطلي. نزلت عليّ الرحمة، ونزلت معها النهاية المناسبة للكتاب، واستطعت أخيرًا كتابة الصفحات العشرين الأخيرة.

إنك تعثر على الكتاب خلال عملية كتابته. تلك هي مغامرة. لو كان كل شيء معروفًا من قبل، لن تكون كتابته بالأمر المثير.

إنك تعثر على الكتاب خلال عملية كتابته. تلك هي مغامرة. لو كان كل شيء معروفًا من قبل، لن تكون كتابته بالأمر المثير.

الصحفي: قبل قليل استخدمت كلمة “الألفة”. وهذه أول كلمة تأتي لذهني كلما فكّرت في «ليلة الوحي». إنها رواية آسرة إلى حد بعيد، ربما الأشد أسرًا من بين ما كتبت.

أوستر: أرى هذه الرواية كعمل من فن الحجرة، حيث أن هناك عدد قليل من الشخصيات وجميع الأحداث تقوم بمكان واحد خلال أسبوعين. إنه عملٌ متراص جدًا، وملتفٌ على نفسه بإحكام؛ كائن حي صغير وغريب من الأجزاء المتشابكة.

الصحفي: لقد استخدمتَ عددًا من الأمور التي لم يسبق أن استخدمتها في كتبك. على سبيل المثال، الحواشي.

أوستر: في تلك القصة خصوصًا، شعرت بضرورة الحواشي. فإن الحبكة واقعة في الحاضر، والأحداث محصورة بين أسبوعين. ولم أرغب في قطع تدفّق القصة. وعلى ذلك فقد استخدمت الحواشي لعرض ما حدث في الماضي.

الصحفي: تعتبر «ليلة الوحي» روايتك الحادية عشرة. هل اصبحت الكتابة أسهل عبر تلك السنوات؟

أوستر: كلا، لا أعتقد ذلك. إن كل كتاب يعتبر كتابًا جديدًا لم أكتبه من قبل وأحتاج أن أعلّم نفسي كيف أكتبه فيما أقوم بكتابته. وحقيقة أنني كتبت أعمالًا في السابق لا تساعدني البتة. أشعر دائمًا بأنني مبتدئ، أواجه الصعوبات ذاتها باستمرار، العوائق ذاتها، اليأس ذاته. إنك تقترف العديد من الأخطاء ككاتب، تشطب جملًا وأفكارًا لا حصر لها، تتخلص من أوراق لا جدوى منها، وفي النهاية، تدرك حقيقة واحدة، وهي كم أنت غبي. إنها مهنة تقلل من قدرك.

الصحفي: إنه لمن الصعب تخيل أن روايتك الأولى «مدينة الزجاج» قد رفضتها سبعة عشرة دار نشر أمريكية. والآن، بعد عشرين عام، تتم ترجمة كتبك إلى ثلاثين لغة. ألا تتأمّل أحيانًا مسيرتك المهنية الغريبة؟ كل ذلك الجهد والصبر، وكل ذلك النجاح؟

أوستر: أحاول ألا أفعل ذلك. يصعب عليّ تفحّص نفسي من الخارج. إنني ببساطة لا أملك الوسيلة الذهنية لفعل ذلك، أو حتى أن أتفحّص الجزء المتعلّق بأعمالي. فإن الآخرين هم المعنيين بالحكم عليها، ولستُ أرغب بافتراض أنني أملك إجابة لذلك السؤال. أتمنى لو استطعت، غير أني ما زلت لا أتقن حيلة التواجد في مكانين مختلفين بنفس الوقت.

24 مارس,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

نيل غيمان: لقد تعلمتُ الكتابة بالكتابة ..

لقد انطلقتُ للعالم وكتبتُ ..

لقد انطلقتُ للعالم وكتبتُ ..

 

الكلمة التي قدّمها نيل غيمان في 17 مايو 2012، في حفل تخرج طلبة الدراسات العليا بجامعة الفنون في فيلاديلفيا.

ترجمة: أحمد بن عايدة

لم أتوقع أبدًا أن أجد نفسي بمثل هذا المكان، أن أسدي نصيحة إلى خريجي التعليم العالي. أنا نفسي لم أتخرّج من أي مؤسسة تعليمية، لم أبدأ حتى في واحدة، لقد هربتُ من المدرسة عندما استطعت، عندما كانت فكرة خوض أربع سنوات أخرى من التعليم الإجباري قبل أن أصبح كاتبًا، خانقة.

لقد انطلقتُ للعالم وكتبتُ، وكلما كتبت أكثر غدوت كاتبًا أفضل. ثم أخذتُ أكتب المزيد. ولم يبدِ أحدٌ انزعاجه من أنني كنتُ أرتجل طوال الوقت. لقد كانوا يقرؤون ويدفعون لي مقابل ذلك وحسب. وأحيانًا من غير مقابل. وفي أغلب الأحيان كانوا يطلبون مني كتابة مواضيع مختلفة لأجلهم. وذلك زرع بداخلي احترامًا وحبًا كبيرًا للتعليم العالي الذي لم أحظَ به. حبٌ واحترام كانا موجودين عند أصدقائي وأقربائي الذين ارتادوا الجامعات، ثم نسوه.

إذا ما تأملت مسيرتي، أرى أنني خضتُ رحلة استثنائية. لستُ واثقًا مما إذا كانت جديرة باعتبارها مهنة، لأن المهنة تقتضي وجود خطة مهنية، ولم يكن هناك خطة على الإطلاق. أقرب شيء إلى الخطة هو قائمة قمت بكتابتها في الخامسة عشر، تحتوي على جميع الأمور التي رغبت بالقيام بها: كتابة رواية للبالغين، قصة أطفال، قصة مصوّرة، كتابة فيلم، تسجيل كتاب صوتي، كتابة حلقة لمسلسل “دكتور هو”.. وما إلى ذلك من أمور. إنها لم تكن مهنة قط. كنتُ أقوم بعمل الأمر التالي في القائمة وحسب.

لذا رغبتُ بإخباركم عن جميع الأمور التي أتمنى لو كنت مدركها منذ البداية، وأمور قليلة أخرى، لو تأملتُ مسيرتي الآن، أظن بأني كنت مدركها. أيضًا أرغب بأن أسدي إليكم أفضل نصيحة تلقيتها وفشلتُ تمامًا في اتّباعها.

أولًا، عندما تبدأ بمهنة في الفن لن تكون لديك أدنى فكرة عما يجب فعله. هذا عظيم. الأشخاص الذين يعرفون ما يجب عليهم فعله يعرفون أيضًا القواعد. وبذلك يعرفون الممكن والمستحيل. أما أنت فلا تعرف ذلك. ويجب عليك ألا تعرف. لقد وُضعت قواعد الممكن والمستحيل من قِبل أشخاص هم أنفسهم لم يجربوا تخطّي حدود الممكن. أما أنت، فبإمكانك ذلك. إذا كنت لا تعرف أنه مستحيل، فسيكون من السهل فعله. وبما أنه لم يسبقك إليه أحد، فلا توجد قوانين تمنع الآخرين من بعدك من فعل ما قمت به مرة أخرى.

ثانيًا، إذا كانت لديك فكرة عما تريد خلقه، ما وُلدت لأجله، فانطلق وافعل ذلك. قد يكون الأمر أصعب مما يبدو عليه. غير أن في نهاية المطاف، قد يكون أسهل مما يمكنك تخيله. فبطبيعة الحال هناك أمور عليك فعلها قبل أن تصل إلى المكان الذي تود أن تكون فيه. أنا أردتُ كتابة القصص والروايات والقصص المصوّرة والأفلام، فأصبحتُ صحفيًا. لأنه يُسمح للصحفيين بطرح الأسئلة، بأن ينطلقوا ببساطة في العالم ويكتشفوا حقيقته. علاوة على ذلك، حتى أقوم بهذه الأمور، احتجتُ أن أكتب، أن أكتب بشكلٍ جيد، وكانوا يدفعون لي مقابل أن أتعلم كيف أكتب باختصار، وبوضوح، وأحيانًا تحت ظروف عسيرة، وخلال وقت محدد.

أحيانًا تكون طريقة فعل ما تتمنى القيام به واضحة. وأحيانًا يكون الأمر أقرب إلى المستحيل أن تتأكد ما إذا كنتَ تفعل الشيء الصحيح، لأنك بحاجة لأن توازن أهدافك وآمالك مع لقمة عيشك وسداد ديونك والحصول على عمل، والرضى بما قسم لك.

إحدى الأمور التي ساعدتني هي تصوّر المكان الذي أردتُ الوصول إليه جبلًا: مؤلف قصص في المقام الأول، مؤلف كتب وقصص مصوّرة جيدة، وأن أعين نفسي من خلال كتابتي. جبلًا بعيدًا، ذلك هو هدفي.

وكنت مدركًا أنني طالما كنت ماضيًا نحو الجبل، سأكون على ما يرام. وإذا كنتُ غير واثقٍ من أمرٍ ما، أتوقف وأفكّر فيما إن كان ذلك الشيء سيأخذني إلى الجبل أو بعيدًا عنه. لقد رفضت وظائف تحرير المجلات، وظائف كانت مناسبة بأجر مناسب. لأني كنت أعلم أنها، بقدر ما كانت مغرية، ستأخذني بعيدًا عن الجبل. ولو جاءت هذه الوظائف بوقت أبكر قليلًا، ربما كنت سأقبلها، فقد كانت أقرب إلى الجبل من حيث كنت في ذلك الوقت.

لفد تعلمتُ الكتابة بالكتابة. كنت أميل إلى فعل أي شيء طالما كان يشعرني بروح المغامرة، وأتوقف حين أشعر بأنه تحوّل إلى جهد، وذلك يعني إني لم أشعر بأن الحياة كانت مجهدة.

ثالثًا، عندما تبدأ مسيرتك، عليك التعامل مع مصاعب الإخفاق. إنك بحاجة لأن تكون غليظ الجلد، عليك أن تتعلّم بأنه ليس كل مشروع سينجو. وحياة العمل الحر؛ حياة الفن، أحيانًا تشبه وضع رسائل في زجاجات على جزيرة نائية، وعقد الأمل على أن يعثر أحدهم على واحدة منها، يفتحها، ويقرأها، ويضع فيها شيء ليجرفها الموج مرة أخرى إليك: تقدير، تفويض، مال، أو حب. وعليك قبول فكرة إنك قد تكون بحاجة إلى إرسال مئات العبوات مقابل عبوة واحدة تعود إليك.

إن مشاكل الإخفاق ليست سوى مشاكل تثبيط عزيمة، مشاكل يأس، مشاكل جوع. تريد الحصول كل شيء وفي الحال، والأمور تتدهور. كتابي الأول – نص صحفي أنجزته لأجل المال، والذي أتاح لي شراء آلة كاتبة إلكترونية من الدفعة المقدمة – كان يجب أن يكون ضمن الكتب الأكثر مبيعًا. كان يجب أن يعود لي بالكثير من المال. لو لم يفلس الناشر مجبرًا في الفترة ما بين نجاح الطبعة الأولى وبين الطبعة الثانية وقبل أن أستلم أي من مستحقاتي المالية. كان ليحقق نجاحات.

مشاكل الفشل صعبة، غير أن مشاكل النجاح قد تكون أصعب، لأنه ليس هناك مَن يحذرك بشأنها.

مشاكل الفشل صعبة، غير أن مشاكل النجاح قد تكون أصعب، لأنه ليس هناك مَن يحذرك بشأنها.

هززتُ كتفي بلا مبالاة، والآلة الكاتبة ما زالت بحوزتي مع مالٍ كافٍ لدفع الإيجار لبضعة شهور. ثم قررت أن أحاول جاهدًا منع نفسي بالمستقبل من الكتابة لأجل المال، لأنك إذا لم تحصل على المال، فلن يتبقَّ لك شيء. غير أنك إذا قمت بعمل تفخر به، ولم تحصل على المال، سيبقى لديك العمل على الأقل.

إنني أنسى تلك القاعدة من وقتٍ لآخر. فيركلني العالم بقوة ويذكرني متى ما نسيت. لستُ أدري ما إذا كانت مشكلةً أعاني منها لوحدي دون الجميع، لكن في الحقيقة، كل الأشياء التي قمتُ بها من أجل المال لم تكن جديرة بشيء، باستثناء كونها تجربة مرّة. عادةً لا أحصل حتى على المال. والأشياء التي قمتُ بها لأنني كنتُ متحمسًا راغبًا برؤيتها موجودة على الواقع لم تخذلني أبدًا. ولم أندم على الوقت الذي بذلته لأجلها.

مشاكل الفشل صعبة، غير أن مشاكل النجاح قد تكون أصعب، لأنه ليس هناك مَن يحذرك بشأنها.

أول مشكلة من أي نوع من النجاحات، حتى في النجاحات الصغيرة، هي ذلك الإيمان الذي لا يتزعزع بأنك قد نجوت، والآن، في أية لحظة، سيكتشفون أمرك. إنها الأعراض النفسية للمحتال. لقد عمّدتهم زوجتي أماندا باسم شرطة الاحتيال.

لقد كنتُ مقتنعًا بأنه ستكون هناك طرقات على الباب، تعود لرجل يحمل لائحة يقول لي أن كل شيء قد أنتهى، أنهم كشفوا أمري. وأن عليّ الآن العثور على وظيفة حقيقية، وظيفة لا تتضمن خلق أشياء وتدوينها، ولا قراءة الكتب التي أرغب بقراءتها. وهكذا، أرحل بهدوء وأعمل في وظيفة حيث لا يُطلب مني صنع الأشياء مرة أخرى.

إن مشاكل النجاح حقيقية وموجودة. وإذا كنتَ محظوظًا فسوف تخوضها. إنها المرحلة حيث تتوقف عن قول نعم لكل شيء. ذلك لأن الآن جميع العبوات التي رميتها في المحيط تعود إليك، وعليك تعلّم قول كلا.

شاهدتُ أقراني وأصدقائي، ومن هم أكبر سنًا مني، كيف كان بعضهم يائسًا. كيف أنه لم يعد بمقدورهم تصوّر عالم حيث يمكنهم القيام بالأشياء التي طالما رغبوا بفعلها. ذلك لأن عليهم الآن أن يجنوا قدرًا محددًا من المال كل شهر ليحافظوا على مراكزهم. لم يكن باستطاعتهم ممارسة الأمور التي تحمل معنى. الأشياء التي يريدون فعلها حقًا، وهذه مأساة عظيمة بحجم الفشل.

إن أعظم مشاكل النجاح تكمن في أن العالم يتآمر ليمنعك من عمل الشيء الذي تقوم به، لأنك ناجح. رفعتُ رأسي ذات يوم وأدركت أنني أصبحتُ شخصًا يجيب على الرسائل الإلكترونية على نحو مهنيٍّ محترف، شخص هوايته الكتابة. غير أنه بعد ذلك، بدأت أجيب على رسائل أقل، وشعرت بالراحة لكوني أكتب أكثر الآن.

رابعًا، أتمنى أن تقع في الأخطاء. إذا وقعت في الخطأ هذا يعني أنك تفعل شيئًا. والأخطاء ذاتها قد تكون مفيدة. ذات يوم أخطأت في تهجئة اسم كارولاين بحرف، قمتُ بتبديل الحرف الثاني مع الرابع، ثم قلت لنفسي: يبدو كورالاين اسمًا حقيقيًا..

وتذكر، أيّا كانت حرفتك، سواء كنت موسيقيا، مصوّرا فوتوغرافيا، فنانا تجميليا، رساما كاريكاتوريا، كاتبا، راقصا، مصمما، فأنت تملك شيئا لا يضاهى. لديك القدرة على خلق الفن. وبالنسبة لي وللعديد ممن عرفتهم، هذا أمر مجير. إنه المنقذ الأعظم.

إن الحياة شاقة في بعض الأحيان. والأمور تتدهور، في الحياة، والحب، والعمل، والصداقة، والصحة، وفي كل المسارات الأخرى التي تفسد الحياة. وحينما تتعسر الأمور، ما يجب عليك فعله هو خلق الفن الجيد.

إنني أتكّلم على نحو جدّي. يفرُّ زوجكِ هاربًا بصحبة إمرأة سياسية؟ اخلقي الفن الجيد. سُحقت ساقك والتهمتها أفعى ضخمة؟ اخلق الفن الجيد. مكتب الضرائب يتقفى أثرك؟ اخلق الفن الجيد. انفجرت قطّتك؟ اخلق الفن الجيد. شخص من الإنترنت يظن أن ما تفعله غبي أو شرير أو مكرر؟ اخلق الفن الجيد. ستسير الأمور بشكل جيد في أغلب الأحيان، وفي النهاية، سوف يخفف الزمن من الآلام، لكن هذا لا يهم. افعل ما تجيد فعله. اخلق الفن الجيد. ولتخلق الفن الجيّد في الأوقات اليسيرة كذلك.

أتمنى أن تقع في الأخطاء. إذا وقعت في الخطأ هذا يعني أنك تفعل شيئًا

أتمنى أن تقع في الأخطاء. إذا وقعت في الخطأ هذا يعني أنك تفعل شيئًا

خامسًا، وفيما أنت تفعل ذلك، اخلق فنك أنت. أفعل الأشياء التي وحدك يمكنك فعلها. النزعة في البداية، تتمثل في التقليد. وهذا ليس بالأمر السيء. أغلبنا لا يجد صوته الذاتي إلا بعدما يردد أصوات الآخرين. غير أن الشيء الوحيد الذي تملكه دون الجميع هو أنت. صوتك، عقلك، حكايتك، بصيرتك. لذا اكتب وارسم وابنِ والعب وارقص وعش على نحو غير ممكن لسواك. وفي اللحظة التي تشعرُ، ولو قليلًا، بأنك تسير في الشارع عاريًا، فاضحًا قلبك وعقلك وما هو موجود داخلك بشكل مفرط، كاشفًا الكثير من ذاتك، تلك هي اللحظة التي تكون بدأت بإتقان العمل.

أفضل الأمور التي أنجزتُها بنجاح هي تلك التي نالت مني أقل نصيب من الثقة، القصص التي كنتُ واثقًا من أنها إما ستنجح أو تكون فشلًا من النوع المخجل الذي عادة يتحدث عنه الآخرين إلى نهاية الدهر في تجمعاتهم. هذه خصلة تتشاركها جميع الأعمال الناجحة. عندما أتأمل مسيرتي، أرى كيف كان الناس يشرحون لي حتمية نجاح أعمالي. غير أني عندما كنتُ أقوم بها، لم يخطر لي ذلك على الإطلاق. وحتى الآن، لا يمكنني رؤية ذلك. ومن ثم، أين المتعة في عمل شيء تعلم مسبقًا إنه سينجح؟

وفي أحيان أخرى قمت بأعمال وبالفعل لم تنجح. هناك قصص لم يتم إعادة طباعتها. وأخرى لم تخرج حتى من المنزل. لكني تعلمتُ منها بقدر الذي تعلمته من أعمالي الناجحة.

سادسًا، سوف أسرّ إليكم بأمرٍ خاص بالفنانين المستقلّين. الأمور السرّية دائمًا مفيدة. وهي مفيدة لأي شخص قد يفكّر يومًا بخلق الفن للآخرين، أو بالدخول إلى عالم الأعمال الحرة. لقد اكتشفت ذلك السر في الرسوم المصوّرة، غير أنه يمكن تطبيقه على المجالات الأخرى. وهو الآتي:

يحصل الناس على الوظائف لأنهم، بطريقة ما، يحصلون على الوظائف. أما عن نفسي فإنني فعلت شيئًا يسهل في هذه الأيام اكتشافه، وقد يسبب لي المتاعب. عندما بدأتُ في أيام ما قبل الإنترنت، كانت تبدو من أنها خطة مهنية معقولة: عندما كان المحررون يسألونني عن الذين عملت لديهم من قبل، كذبت. قمت بكتابة قائمة مليئة بمجلات قابلة للتصديق، وتصرّفت كالواثق. فحصلتُ على الوظائف. وبعد ذلك لأحافظ على شرفي، قمت بكتابة نصٍ لكل المجلات التي أدرجتها في تلك القائمة للحصول على الوظيفة، حتى لا أكون قد كذبت فعلًا، وإني ببساطة كنت متخلّف زمنيًا ليس إلا. إنك تحصل على العمل كيفما تحصل على العمل.

ما زال هناك مَن يعمل في المهن الحرة، ولقد بدأ العالم يمتلئ بذلك النوع من المهن. وذلك لأنهم يقومون بأعمال رائعة، ولأن التعامل معهم يسير، ولأنهم يسلّمون أعمالهم في الوقت المحدد. وإنك لست بحاجة إلى تلك الأمور الثلاثة. إن اثنين من الثلاثة يكفي: سوف يتحمّل الناس سماجتك إذا كان عملك رائعًا وتسلّمه في الوقت المحدد. وإنهم سيتسامحون مع تأخّرك إذا كان عملك مذهلًا، وكانوا يستلطفون شخصك. ولا تحتاج أن تكون جيدًا كالآخرين إذا كنت تسّلم عملك في الوقت المحدد ويسرّهم التعامل معك.

عندما وافقت على إلقاء هذه الخطبة، بدأت أفكّر، ما عسى أن تكون أفضل نصيحة قد أسديت لي عبر السنين. ثم أدركت أنها جاءت منذ عشرين عام من ستيفن كينغ. كنت في أوج نجاح قصتي المصوّرة “ناسج الأحلام”. قصةٌ أحبها الجميع. أعجب كينغ بناسج الأحلام وبروايتي التي كتبتها مع تيري براتشيت “البشائر”. وكان قد رأى النجاح الجنوني في الصفوف الطويلة في حفلات التوقيع. وكانت نصيحته لي “هذا عظيم. عليكَ أن تستمع بذلك كله”.

ولم أفعل. لقد تلقيّت أفضل نصيحة وتجاهلتها. بل حتى على العكس، كنت قلقًا. قلقتُ بشأن الموعد القادم، الفكرة التالية، القصة التالية. لم أتوقف عن الكتابة في ذهني أو التفكير بالكتابة خلال الخمسة عشر سنة الماضية. لم أحطّ رحالي وأسرّح النظر حولي لأرى كم كان ذلك ممتعًا. ليتني تلذذت بذلك أكثر. لقد خضت رحلة مذهلة، غير أن هناك محطات قد فوّتها، لأني كنت قلقًا بشأن سير الأمور، بشأن الأمر الذي سوف يجيء بعد ذلك، إلى حد أنني لم أهنّأ بالجزء الذي كنت فيه. لقد كان ذلك أقسى درسٍ تعلّمته. وهو أن تتمدد وتستمتع بالرحلة. فإن الرحلة تأخذك إلى أماكن مدهشة وغير متوقعة.

إلى جميع الخريجين، أتمنى لكم حظًا موفقًا. فإن الحظ مفيد. سوف تدركون أنه كلما عملتم بجهد أكبر، وبحكمةٍ أوسع، كنتم أكثر حظًا. لكن في كل الأحوال، الحظ موجود، وهو يساعدك كثيرًا.

لقد جئنا إلى عالم غير ثابت. إذا كنت في أي من المجالات الفنية، فسوف تلاحظ أن القوالب التي يُخرج بها الفنانون أعمالهم في تغير دائم. لقد تحدثت إلى أعلى من في دور النشر، وفي المكتبات، وفي جميع تلك النطاقات، ولا أحد يعرف شكل العالم بعد سنتين، ناهيك عن السنوات العشر القادمة. قنوات التوزيع التي شيّدها الناس عبر القرن الماضي في تغيير مستمر. طرق بديلة للطباعة، للفنانين التصويريين، للموسيقيين، للمبدعين من كل أنواع البشر.

قد يكون ذلك مرعبًا، وقد يكون كذلك محرّرًا على نحو جبّار. فإن القواعد، التوقعات، طرق عرض عملك، ماذا تفعل بعد ذلك، إن كل ذلك يتدمّر. لقد هجر الحرّاس أبوابهم. صار بمقدورك أن تبدع كيفما شئت لأجل الوصول. اليوتيوب والمتصفح، وأيًا كانت الوسائل التي ستأتي بعد ذلك، تستطيع منحك مشاهدين أكثر مما يمكن للتلفاز أن يمنحك على الإطلاق. إن القواعد القديمة تتهدّم وليس هناك من يعرف شكل القواعد الجديدة. لذا، قم بخلق القواعد الخاصة بك.

سألتني إحداهم منذ فترة ليست ببعيدة: كيف تسجّل كتابًا صوتيًا، وكانت تعتقد بأنه أمر صعب. فاقترحت عليها أن تدّعي أنها شخص يستطيع فعل ذلك. لا تدّعي أنها قادرة على تسجيل كتابٍ صوتي، بل شخصٌ يعرف كيف يسجّل كتابًا صوتيًا. فقامت بتعليق الملاحظة على جدار الأستوديو، وقالت إنها أعانتها كثيرًا.

كن حكيمًا. فإن العالم بحاجة إلى المزيد من الحكمة. وإذا لم تستطع أن تكون حكيمًا، فادّعِ بأنك حكيم، وتصرّف كما ينبغي على الحكيم أن يتصرّف.

والآن، انطلقوا، وحقّقوا أخطاءً مشوّقة، أخطاءً رائعة، أخطاءً عظيمة ومذهلة. دمّروا القواعد. واتركوا العالم أكثر جمالًا قبل أن يأتي موعد المغادرة، حيث لا مفرّ من الرحيل.

* نشرت في آراء. 

20 مارس,2014 - takween
كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

ماري كار: لماذا أكتب؟

أكتب لأحلم، لأتصل بالآخرين، لأوثّق، لأوضّح، لأزور الميْت.

أكتب لأحلم، لأتصل بالآخرين، لأوثّق، لأوضّح، لأزور الميْت.

ترجمة: ريوف خالد

أكتب لأحلم، لأتصل بالآخرين، لأوثّق، لأوضّح، لأزور الميْت. لديّ نوع من الحاجة الفطرية لترك بصمة في العالم، بالإضافة إلى أنني أحتاج النقود.

أكون قلقة معظم الوقت أثناء الكتابة. توجد تلك اللحظات العظيمة إذ تنسى أين أنت ومتى اعتلت أصابعكُ المفاتيحَ، لا تشعر بشيء لأنك في مكان أخر. لكن هذا نادرًا ما يحدث، غالبًا ما أضرب بيديّ على صدر جثة.

الأوقات المريحة تأتي متقطعة، قد تستمر لخمس دقائق أو خمس ساعات، لكنها، أبدًا، ليست طويلة جدًا. الأوقات الصعبة ليست صعبة كليًا لكنها صعبة إلى حدٍ ما ومن الممكن أن تستمر لأسابيع. أثناء العمل على “مخمورة” قمت بتمزيق ألفي صفحة مكتملة. الصلاة جعلتني أجتاز هذا، وهي ما يجعلني أجتاز كل شيء. عادةً ما أمرض كثيرًا بعد أن أنهي كتابًا. حالما أتمّه وأضعه جانبًا ويرقد جسدي، حين لا يكون هنالك حقن كورتيزول وأدرينالين. إنني أمرض. لدي نظام مناعي متوسط السوء، وعليه فهو لا يساعد.

كل ذلك يعني أن الكتابة تبدو كهبة بالرغم من كونها غير مريحة بالمرة. أشعر باستمرار أنني محظوظة. بالنسبة لأغلب الكتاب، هنالك امتداد من قرابة العشرين سنة أو تزيد حيث لا يستطيعون الكتابة لانشغالهم بسبعة وثمانين شيئًا آخرًا. في الواقع، العام المنصرم لوحده هو العام الذي لم أرعَ فيه ابنًا بالإضافة إلى التدريس. عليّ العديد من المطالب لأقوم بأشياء لعينة أخرى – التجوال وإعطاء المحاضرات- لكنها ليست فظيعة.

إذا لم أستطع الكتابة سأحزن جدًا. أظنني سأقوم بعملٍ ما له علاقة بالبدن. قد أكون معلمة يوغا أو مدربة في صالة رياضية أو معالجة بالمساج. بالطبع لا شيء من هذا سيعالج حاجتي للكتابة، هذا يبرر استمراري في الكتابة.

أكتب مخمورة، أكتب بوعي.

لقد تركت الشرب منذ عشرين سنة. كتبت أول كتابين شعريين وأنا ما أزال أشرب. راجعت الكتاب الثاني في مستشفى المجانين. أدركت أنني سأموت ما لم أتوقف عن الشرب، لا أعرف تمامًا كيف سيكون ذلك، لكنني أدركت أنه لن يكون لطيفًا. لم أكتب أبدًا في الخمسة عشر شهرًا الأولى التي تلت انقطاعي عن الشرب. لم أتمكن من التركيز.

في كل مرة أجلس فيها أشرع في البكاء، عقلي يتعذب كثيرًا ليجد مكانًا يستقر فيه. كان الصراع أن أتوقف عن الشرب بالإضافة إلى العديد من المشاعر التي نشأت وكنت قد تهربت منها. تعرف أن الطريق الوحيد للخلاص منها هو تجاوزها، لكنك لا تمتلك مجموعة المهارات اللازمة لذلك. إنه اختبار بالنار. الأشخاص الذين يتركون الشرب يظهرون إيمانًا أكثر من أي قسيس. نقف على بعد خطوة من جرف يهوي بنا إلى جحيم. ظلام حقيقي.

حين ذهبت إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن قطعت الشرب، تقدمت كتابتي بقفزة عظيمة، أو على الأقل بدأ الناس يدفعون الكثير في سبيلها. كنت أكثر وضوحًا وقلبي أكثر انفتاحًا، أكثر ادراكًا لنفسي، وأكثر ارتيابًا حول أهدافها الخاصة، أكثر نضجًا.

كان لدي مشرف روحي، الذي كان بدوره قد انقطع عن الشرب، قال لي:’ لقد جربتِ مضادات الاكتئاب، لقد جربتِ العلاج النفسي، لقد جربتِ عقار الهلوسة إل. سي. دي. والكوكايين، سكرتِ حتى النخاع. ماذا لو كان حل كل مشاكلكِ أن تُنمّي ممارسة روحية، وأنتِ لم تجربي قط؟ بعد هذا بست أو سبع سنوات، تحوّلتُ إلى الكاثوليكية. منذ ذلك الوقت، قل اكتئابي بشكل كبير وقلّت أنانيّتي بشكل ملحوظ. صدق أو لا تصدق، كشخص يكتب مذكراته، أي جسارة لأقول هذا، لكنها الحقيقة. انخفض قلقي حول أناي، مما جعلني كاتبةً أفضل.

أكون قلقة معظم الوقت أثناء الكتابة.

أكون قلقة معظم الوقت أثناء الكتابة.

خرافة الكاتب الثري الشهير.

قبل أن أصبح أستاذة، أدرتُ حانة. اشتغلت موظفة استقبال. كانت لديّ مهنة تجارية طريفة في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية. في بداية انقطاعي عن الشرب، كنت على الاحتياط كمحررة لدى مجلة “هارفارد بزنس ريفيو” ويدفع لي مُقدّم. بدأت التدريس حين كنت حاملًا بابني الذي يبلغ الآن الخامسة والعشرين.

درَّستُ مقرّرًا في “هارفارد” مقابل خمسة آلاف دولار. درَّست مقررًا في “تافتس” مقابل ثلاثة آلاف دولار. درّست مقررًا في “إيمرسون” مقابل ألف وخمس مائة دولار. طيلة الخمس سنوات التي درّست خلالها في الأقليات الأكاديمية حول بوسطن، لم أستطع العيش بتلك المكاسب. لذلك، استمريت في كتابة مقالات حول التجارة لصالح مجلة “هارفارد بزنس ريفيو”. لم يطوّر هذا العمل من قدراتي الكتابيّة قيد أنملة، لكنه مكّنني من الاستمرار في الأكل، ما مكّنني بدوره من الاستمرار في التنفس.

حتى اللحظة، لا أُعيل نفسي من مهنتي ككاتبة، إنما كأستاذة في الكلية. لم أتمكن من دفع الرهن من إيرادات كتبي. الأسطورة التي تقول بأنك تحصل على الكثير من المال حين تنشر كتابًا، ما لم يكن للكتاب قبول شعبي، غير صحيحة بالمرة.

بدءًا من سنتي الخامسة، قُدّمت دائمًا على أنني كاتبة. ليس لهذا علاقة بالدخل. لقد أخبرت الناس دائمًا بأنني شاعرة إذا ما سألوني ماذا أعمل، وهذا ما استمريت في إخبارهم به حتى الآن.

التحرّر من الجرّافة.

بالنسبة لي، أفضل توقيت هو آخر اليوم، حين تتم الكتابة. تكون قد كتبت ونسيت. كتبت أطول ممّا توقّعت. حين تكون قد أُخذت كثيرًا بالكتابة حتى تأخر الوقت. تحرّر نفسك من الجرّافة.

أُلزم نفسي بالكتابة يوميًا لعدد معيّن من الساعات أو الصفحات. سواء كانت ست ساعات أو صفحة ونصف. إذا كتبت طيلة اليوم ولم أكن قد تقدّمت لأنني مستمرة في الكتابة والحذف، أنتهي إلى التوقف بعد ست ساعات. بعدها، أنهض لألتقي بشخص لن يتحدث معي حول الكتابة. ست ساعات أو صفحة ونصف، أكتفي بما يأتي أولًا.

فيما يتعلق بكتابيّ “مخمورة” وَ “كرز” في النهاية، ازدادت الصفحات إلى ثلاث يوميًا، ما استغرقني وقتًا طويلًا. القدر الذي أُنجزه في يوم يعتمد على أي قدر أنا بائسة. أثناء كتابة “مخمورة”، أعرف أن هذا قد يبدو جنونيًا، كان عليّ أن أقوم بالكتابة مستلقية، لأنني إذا لم أقم بذلك، ينهار ظهري. استطعت التمدّد على سريري، هذا البدعة، وحاسبي المحمول عليه دون أن أشعر بإصابة الإجهاد المتكرر.

لم يكن الاستلقاء وحده ما صعّب الأمور.

كان كتاب “مخمورة” الكتاب الأصعب من بين كل ما كتبت، فأنت تكتب عن طفلك وأبيه وقضايا روحيّة في عالم علماني. سيعتقد الجميع أنك أحمق لأنك أصبحت كاثوليكيًا، تتحدّث عن المسيح دون أن يهتم أحد بهذا. بدا أن العديد من النقّاد أحبّوا هذه الفصول. بالنسبة لي، يُعد هذا انتصارًا. لا أظن أنني بدّلت اعتقاد أحد، كما أن هذا لم يكن هدفي. كان هدفي أن أقدم وصفًا لما تبدو عليه تجربة روحية. لأُعيد خلق تجربة شعوريّة من الهلع حينما لا تألف ذلك.

الرب يعين.

قبل أن أباشر مشروعًا، أصلي للرّب إذا كان هذا ما يريده مني أم لا. لا أحصل على إرشادات مكتوبة، لكنني أحصل على نوع من الإجابة بالموافقة أو الرفض. لست كالقديس بولس يقود الرب يدي، سيكون هذا عظيمًا لكنه لا يحدث لي. أقوم بعملي كما يقوم به أي كاتب، وهذا يعلل شعوري بالقلق والهلع.

في الأيام السابقة، حلي لأغلب المشاكل يتضمن الكحول والأسلحة. لدي نزعات شديدة الأنانية والفساد. أحتاج المساعدة لأتصرف بشكلٍ أفضل ممّا أتصرف عادةً. في لحظةٍ ما، كنت أعمل بجهد على “مخمورة” وكان هذا مؤلمًا جدًا. صلّيت: “ربّاه، هل يُفترض بي أن أقوم بهذا؟ أم أن عليّ أن أبيع شقّتي وأُعيد نقودهم؟”. على نحوٍ واضح تلقيت من الرب نوعًا من الموافقة، أو من داخلي، من يدري؟

فخورة بنفسي لأنني واصلت العمل رغم الصعوبات وأتممته، لدي شعور بالاعتزاز حيال هذا دون أن أعتمد بشكل كليٍّ على النتاج، بل من أجل جلدي على عملية الكتابة. لقد كلفتني الكثير من المثابرة من جانبي لأنتهي من الكتاب. لقد دفعوا لي الكثير من المال، وحصلت حقيقة على مراجعات عظيمة. وليس عليّ أن أقول هذه القصة بعد الآن. لقد انتهيت، وقد كُتبت.

تمر بي أحيانٌ أسأل الرب فيها أن يمنحني الشجاعة لأكتب الحقيقة ولا يهم ما هي. لا يختلف هذا عن مقولة همنغواي:” أريد أن أكتب جملة صادقة واحدة.” ونعم، يقول الناس أنني أخدع نفسي فيما يتعلق بالرب، لا أعيرهم بالًا وينجح هذا.

النشر ليس ما عهدناه.

حاليًا لا أحد يعرف حقًا كيف يبيع كتبًا، الأسلوب كله يتغيّر. ولا أحد يعرف كيف يكسب نقودًا من هذه الصنعة بأي طريقة مضمونة. لهذه الصنعة ذهنية شعبية تتيح لنجمٍ تلفزيوني تافه أن ينشر كتابه التافه ويبيع ثلاث ملايين نسخة بغلاف مقوى، ثم لا تسمع به مجدّدًا. كل الطاقة موجهة إلى تلك الكتب ذات الرواج الشعبي لمردودها الأكثر مباشرة والأقصر فترة.

يقول الناس أنها نهاية الرواية منذ همنغواي، لا آخذ الأمر بجدية. أعتقد أن الناس تقرأ أكثر مما اعتادت أن تقرأ. لديك أشخاص أكثر يقرؤون كتبًا أسوأ، وما زالوا يقرؤون الكتب. حاليًا، أقرأ بواسطة جهاز الآي-باد خاصّتي، وأشتري كتبًا أكثر من السابق. إذا أحببت كتابًا، أبتاعه أيضًا بغلاف جوخ أو غلاف مقوى لأنني أريد دعم متاجر الكتب.

أغلب الكتّاب لا يرغبون بالتنازل عن كلماتهم.

أغلب الكتّاب لا يرغبون بالتنازل عن كلماتهم.

سيُصدم قرائي بمعرفة…

كم من الوقت تستغرقني كتابة هذه الكتب. سأنظر إلى المسودات الأولى لطلابي، لكن لو قال لي أحد الأصدقاء “لقد كتبت ثمانين صفحة.” وسألني أن أقرأها سأقول: “كم عدد المرات التي كتبتها فيها؟” لأنه في الغالب يوجد تقريبًا صفحة ونصف تستحق الحفظ. أغلب الكتّاب لا يرغبون بالتنازل عن كلماتهم. في أي وقت يسألني أي أحد أن أحذف شيئًا أجيبه: “عظيم”. أمر غريب آخر: إذا ما انبثقت إصابة الإجهاد المتكرر فيمكنني أن أوضع خارج نطاق الخدمة. لذلك أكتب بيدي.

أفضل وقت على الإطلاق؟ الآن.

لقد انتهيت من كتابة القصائد الغنائية لألبوم “قريب” للموسيقي رودني كرويل، شاب نشأ في قطاع “غرين بلت” ذاته الذي نشأت فيه. لقد حاول رودني إقناعي لأقوم بهذا لسنوات. وأخيرًا، استسلمت واستمتعنا بالعمل. متحمسة جدًا لهذا.

بالإضافة إلى ذلك، بعت عرضًا تلفزيونيًا يدعى “مخمورة” لشركة هوم بوكس أوفيس. هذه السيدة اتصلت بي وقالت بأنها أرادت كتابة سيناريو. قالت بأنه بإمكاننا كتابته سويّة وكتبناه. كانت تجربة عظيمة، القيام بهذه الأعمال التعاونية ممتع حقًا بالنسبة لي. كتابة الأغاني والبرامج التلفزيونية التجريبية، أي شيء يبدو أسهل بكثير من كتابة الكتب. منها تحصل على نقود أكثر وتبذل طاقة أقل. أنت تحاول أن تكتب أفضل من الأشخاص الذين يكتبون للتلفاز، وهذا سقف منخفض في الحقيقة. كما أنني مبتدئة، لهذا إن فشلت فليكن.

كنت أعمل جاهدة ليجتاز ابني الكلية. لكنه الآن يبلغ الخامسة والعشرين ويمكنه أن يعيل نفسه. لهذا عليّ التدريس لفصل واحد فقط. لم أحصل قط على هذا القدر من الوقت الحر في حياتي. أذهب إلى صالة الرياضة يوميًا. كما لو أن العالم قد أزهر منفتحًا.

حكمة ماري كار للكتاب.

• الاقتباس الذي علقته على لوحتي أثناء كتابة “مخمورة” لصموئيل بيكيت، إنه مجدٍ بحق: “حاول دائمًا، افشل دائمًا. مهما يكن، حاول مجدّدًا، افشل بشكلٍ أفضل.”

• أي أحمق يمكنه أن ينشر كتابًا. لكن، إن رغت بكتابة كتاب جيّد، عليك أن ترفع السقف أعلى من سقف السوق. الأمر الذي لن يكون بالغ الصعوبة.

• أغلب الكتاب العظماء يعانون، وليس لديهم أيّة فكرة إلى أي مدى هم رائعون. غالبًا، الكتاب السيئون واثقون جدًا. كن مستعدًا لتصبح طفلًا، كن ليليوبتيان في عالم غوليفر ، فتاة المضرب في أستاد يانكي للبيسبول. إنها الطريقة الأكثر إثمارًا للكينونة.

 

16 مارس,2014 - takween
كُتب في لماذا تكتب, نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة